دعانا إسلامنا إلى العمل والإنتاج ففي كتاب الله – عز وجل- :{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، وفيه:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ، والعمل هو أساس الحساب وما يترتب عليه من الثواب والعقاب :{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}،:{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ، {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} .
والعمل الذي دعانا شرعنا للقيام به هو العمل الإيجابي الذي يعود على فاعله وعلى الناس بالنفع، وفي مقدمته السعي لتدبير الاحتياجات الأساسيَّة لحياة الإنسان، ففي الحديث الشريف : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ”، «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ”؛ ولأهميَّة العمل لتدبير الاحتياجات الأساسيَّة، جعل السعي على الأرامل والمساكين من الجهاد في سبيل الله، قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -:«السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ”، وبيَّن لنا رسولنا الكريم أنَّ علينا أن نستغل أوقات فراغنا وقدراتنا البدنيَّة والعقليَّة استغلالًا منتجًا:« نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ”.
فبالعمل الإيجابي تنهض المجتمعات وتتقدم، وبمقدار اجتهاد وجدِّ الناس ترقى دولهم، ويتحقق الرخاء والاستقرار حتى لو قلَّت ثرواتها، وبمقدار تكاسل الناس وميلهم للدعة تتأخر الدول عن ركب الدول المتقدمة.
والعمل المنتج الذي دعانا إليه شرعنا يكون في ميادين كثيرة منها: التعليم، والصحة، والزراعة، والتجارة، والصناعة بأنواعها، وخدمة المجتمع، كالإصلاح بين الناس في الخصومات…
وإذا كانت الأعمال التي وجَّهنا إليها شرعنا هي الأعمال التي تعود بالنفع على فاعلها وعلى الناس، ويزيد أجرها كلما كان نفعها لطائفة أكبر من الناس؛ فإنَّ الأعمال السيئة التي تضر بفاعلها أو الآخرين سواء أكانت قولًا أم فعلًا هي أعمال مذمومة ممقوتة من شرعنا حيث يقول ربنا – جل وعلا- { أم حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
ومن الأعمال الممقوتة في شرعنا المعاصي بكافة أنواعها، وما انتشر بين الناس من السحر والدجل، والحسد ، والغيبة ، والنميمة ، والكذب، ولا يخفى على الناس أنَّ هذه كلها من الكبائر ، ولا يخفى أنَّ بعض هذه الأعمال قد تؤدي بفاعلها إلى الخروج من الملة بالكليَّة، وذلك مرتبط بالضرر العائد على الناس من بعض هذه الأعمال، كما ذكر العلماء في السحر والسحرة، حيث كفَّر بعضهم السحرة، وأوجب البعض الآخر عقابهم بالقتل، وفرَّق بعضهم بين ساحر وساحر بحسب ما ترتب على سحره، وبحسب الوسائل التي استخدمها في سحره.
ومن الأعمال السيئة التي جدت في حياة الناس وانتشرت في الآونة الأخيرة بعد انتشار الشبكة العنكبوتيَّة بين الناس انتشار النار في الهشيم؛ هذه المسالك الضارة التي سلكها كثير من الناس؛ أطفالًا، وشبابًا، وكبارًا، حيث حُبِّبَ لكثير منهم البحث عن مكاسب سهلة من أعمال بعضها أشبه بالمقامرة، كشراء وبيع العملات الإلكترونيَّة والاشتراك في المسابقات الإلكترونيَّة المدفوعة، فإن ربح المتسابق وإلا خسر ماله الذي اشترك به، وهذا نوع من القمار المحرَّم شرعًا، ومنها النصب والاحتيال الإلكتروني، وليس الشباب وحدهم هم مَنْ قعدوا عن الأعمال الجادة وطلبوا المال من خلال هذه الأعمال التي لا نفع فيها، وإن عادت على فاعلها بكثير من المال في البداية على سبيل الاستدراج، حتى إذا ارتبط بها فدفع بأمواله رغبة في الحصول على أضعافها وجد نفسه قد وقع في دائرة نصب كبيرة، حيث يغلق الموقع الذي غامر فيه بأمواله، وربما من باب الطمع في الربح يستدين بعض الشباب أموالًا بُغية أن تعود عليهم برح كبير، فيردُّون الدين لصاحبه ويستفيدون هم بالربح، فيجدون أنفسهم وقد خسروا أموالهم وركبتهم الديون التي قد تنتهي بهم إلى السجن!.
ومن هذه المساوئ احتراف طائفة أخرى عمل فيديوهات مضحكة تافهة خالية من الفائدة، بقصد جني المال من المشاهدات التي تحققها فيديوهاتهم، وهذه ليست خاصة بنوع من الناس ممن يبحثون عن مكاسب من خلال الفضاء الإلكتروني، حتى النساء ليست بمعزل عن هذه الأعمال التي لا نفع فيها، فكثيرات منهن بكلِّ فئاتهن العمريَّة أخذن المتابعين من خلال كاميرات أجهزتهن المحمولة إلى مطابخهن، وغرف مساكنهن بما فيها غرف نومهن، بل وحماماتهن أحيانًا! وذلك لعلمهن بأنَّ الأعمال كلَّما تدنت وانتهكت الأخلاقيَّات والقيم الدينيَّة حققت مشاهدات أكبر، فعادت عليهم بأموال أكثر، فضاعت حرمة البيوت وأصبحت كثيرات من النساء يأكلن بأجسادهن، ويعرضنها على الناس من خلال البث المباشر، ومن خلال التطبيقات الإلكترونيَّة ك«التيك توك» و«اليوتيوب» و «الانستجرام» …ومواقع التواصل.
والعجيب أنَّ المحتويات الأكثر هبوطًا تتحول إلى لعنة جديدة اسمها التيرند، وكأن المحتوى التافه الذي حقَّق التيرند أفضل من شهادة الماجستير أو الدكتوراه، وهو كذلك من جهة تحقيق المال، والأدهى والأمر أنَّ الكبار لم يقتصروا على أنفسهم في هذه المسالك غير النافعة بل يُشْرِكُ الآباء والأمهات معهم الأطفال الصغار، حيث يقوم الأطفال بمشاهد تمثيليَّة موظفة لجعل الفيديو أكثر تشويقًا، وأقل ما يترتب على ذلك من ضررًا أنها تعودهم على الكذب، واستسهال طرق الكسب التي لا عناء فيها، وتلوث ألسنتهم بالألفاظ البذيئة التي يمليها عليهم الآباء والأمهات ليرددوها أثناء التصوير، والتي سرعان ما تنتشر بين الناس، وأذكر الكبار والصغار بقوله – تعالى-: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقوله – صلى الله عليه وسلم –«إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ”.
ومَن هذا الطفل الذي تعوَّد على جني الدولارات لمجرد مشاركة في تصوير فيديو مع أبيه أو أمه؛ ثم مستقبلًا بعد أن يكبر قليلًا، سيعمل في مجال الأعمال المنتجة كالزراعة والصناعة والتجارة، وهي لا تحقق له ولو جزء بسيط مما تحققه له هذه الأعمال التافهة؟! لا يتوقع لطفل نشأ على ذلك من صغره إلا المضي في هذه المسالك السهلة والممتعة بالنسبة له، والمحققة للشهرة الواسعة، فمن شبَّ على شيء شاب عليه.
والسؤال الذي كان ينبغي أن يسأله هؤلاء الذين يعتمدون في كسبهم على هذا الفضاء الإلكتروني، وهذه المحتويات الخالية عن النفع للناس، بل تضييع وقتهم وإضعاف قدرتهم على العمل المنتج، حيث يسهرون الليل وينامون النهار!، هو لماذا تدفع لهم المواقع والتطبيقات كلَّ هذه الدولارات؟ ولماذا تزيد كلَّما زادت نسبة المشاهدات؟ والإجابة سهلة، فهذا نوع جديد من الاستهداف لمجتمعاتنا وأخلاقيَّاتنا، وما تدفعه هذه الجهات مهما بلغ فهو أقل بكثير مما تتحمله في محاولة إضعافنا وتدميرنا بقوَّة السلاح، لاسيما وقد يئسوا من قدرتهم على إخضاعنا عسكريًّا؛ فتحولوا للسيطرة علينا فكريًّا وإسقاط هويَّتنا الأخلاقيَّة والسلوكيَّة، وبكلِّ تأكيد فإنَّ ثمن دبابة أو صاروخ أو طائرة مما يستخدمونه في حربنا عسكريًّا يكفي لإفساد شباب دولة بكاملها من خلال دفع بعض الدولارات مقابل نشر ومشاهدات هذه الأعمال الضارة.
فيا أيّها الناس؛ رجالًا، ونساءً، كبارًا، وصغارًا، أفيقوا وعودوا إلى جادة الصواب، وتحولوا إلى الأعمال الجادة المنتجة، واحفظوا أطفالكم وشبابكم وفتياتكم، فهم عدة الوطن وعتاده، فأفشلوا مخططات أعدائنا وأدركوا ما يمكن إدراكه قبل فوات الأوان.****
أ.د عباس شومان رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الأزهر ، الآمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف



