
بقلم أ. د/ بديعة الطملاوي
العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد:
شهر رمضان هو سيد الشهور، فيه بدأ نزول القرآن الكريم؛
وهو شهر الطاعة والقربة؛ والبر والإحسان؛ وشهر المغفرة والرحمة والرضوان؛ فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؛ وبه عون المؤمن على أمر دينه، وطلب إصلاح دنياه، وهو موسم تكثر فيه مناسبات إجابة الدعاء.
والصوم لغة: الإمساك والكف عن الشيء، قال تعالى إخبارا عن السيدةمريم: (إني نذرت للرحمن صوما) [مريم: ٢٦]. أي: صمتا وإمساكا عن الكلام.
وشرعا: هو الإمساك نهاراً عن المفطرات، بنية من أهله، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وركن الصوم: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، أو الإمساك عن المفطرات عموما؛وزاد المالكية والشافعية: النية ليلا.
والصوم له فوائد عديدة، منها:
أنه طاعة لله تعالى، ينال العبد به رضوان الله تعالى، واستحقاق دخول الجنة.
وهو كفارة للذنوب من عام لآخر. وهو مدرسة خلقية كبرى، يتدرب فيها المؤمن على خصال كثيرة؛ فهو جهاد للنفس؛ ومقاومة للأهواء ونزغات الشيطان، به يتعود على خلق الصبر، وتقوية الإرادة؛ ويتعلم النظام والانضباط؛ كما ينمي الصوم في الإنسان عاطفة الرحمة والأخوة، والشعور برابطة التعاون والتضامن مع غيره من الفقراء.
كما أن في الصوم راحة المعدة والجهاز الهضمي؛ قال صلى الله عليه وسلم: “صوموا تصحوا”؛
قال الحارس بن كلدة طبيب العرب: “المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء”.
كما أن في الصوم كسر لحدة الشهوة، ومجاهدة النفس، قال صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء”.
وقد فرض الله تعالى صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصام الرسول صلى الله عليه وسلم تسع سنين، لأن الصوم فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، سنه 11 من الهجرة.
وينقسم الصوم الواجب إلى ثلاثة أقسام:
١- شهر رمضان.
٢-ما يجب لعلة، وهو صوم الكفارات.
٣-ما يجب بإيجاب الإنسان على نفسه، وهو صيام النذر.
ولا يجوز للمكلف الإفطار بغير عذر، لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا رخصة، لم يقضه، وإن صام الدهر كله).
والصيام أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس؛ وقد مدحه الله فى قوله: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) [الأحزاب: 35].
وقد وردت آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تدل على فصل الصيام وأهميته؛ من ذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: ١٨٣].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سيد الشهور شهر رمضان، وسيد الأيام الجمعة”.
ولعل من فضائل شهر رمضان:
أنه سبب لنزول رحمة الله تعالى على عباده، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(أتاكم رمضان شهر بركة؛ يغشاكم الله فيه؛ فينزل الرحمة؛ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء؛ ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه؛ ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً؛ فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل).
بل إن صيام رمضان سبب لدخول الجنة، فعن أبي هريرةرضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:(إذا جاء رمضان؛ فتحت أبواب الجنة؛ وغلقت أبواب النار؛ وصفدت الشياطين).
وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصلوات الخمس؛ والجمعة إلى الجمعة؛ ورمضان إلى رمضان: مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر).
كما ن رائحة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: (كل عمل إبن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي، وأنا أجزى به؛ والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب؛ فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
والصوم سبب لمغفرة الذنوب،
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه).
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان، قال: (يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا؛ من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، هو شهر الصبر، والمواساة، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار؛ وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجرهم شيء؛ قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على تمرة؛ أو على شربة ماء؛ أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة؛ وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار؛ من خفف عن مملوكه فيه، غفر الله له، وأعتق من النار ، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم؛ وخصلتين لا غناء بكم عنهما؛ فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار).
كما أن الله جعل للصائمين بابا لا يدخل منه أحد غيرهم، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم؛ فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد).
وفقنا الله للصيام والقيام وصالح الأعمال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



