
التحصين القيمي ضرورة، حيث تراجعت الحواجز التي كانت تفصل بين الأجيال، والتأثيرات الخارجية
العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي يدفع بقدوات جديدة إلى وعي الأجيال الشابة وضميرها
تتحمل الأسرة أولًا ثم المؤسسات الدينية، مسؤولية كبيرة في إعادة الاعتبار إلى النماذج التي تستحق أن تكون قدوة حقيقية للأجيال الجديدة
حوار- محمد رأفت فرج:
أكد الدكتور سمير بو دينار، مدير مركز الحكماء لبحوث السلام، ورئيس مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية والاجتماعية بالمغرب، أن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، من تحديات على الأسرة، تزيد من الحاجة إلى خطاب ديني واعٍ، يجمع بين الالتزام بالقيم الدينية، والقدرة على التعامل مع مستجدات العصر، موضحًا في حواره لموقع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، أن الأزهر الشريف يقوم بدور كبير في ترسيخ الوسطية، والمواطنة، ونشر قيم التعايش السلمي، ويمثل ركيزة أساسية في استعادة القدوة الغائبة، التى تسببت في خلق كثير من المشكلات في عالمنا، مضيفًا أن الأزهر يواجه أيضًا تلك المفاهيم الغريبة والمنحرفة، ليعزز مكانة القدوة العلمية والأخلاقية في تشكيل وعي الشباب.
بداية .. كيف ترى دور الأزهر الشريف في هذه المرحلة الدقيقة، في ظل ما يواجه المجتمع من تحديات تتراوح بين التشدد والإلحاد وبعض الدعوات التي ترفع شعار الحرية لترويج أفكار تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية؟
الأزهر الشريف، وخاصة في ظل قيادة فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، يمثل منارة للعلم، ونموذجًا في التأسي والتخلق، يتعلم منه كثير من أبناء الأجيال الجديدة وبناتها، سواء من خلال العلم، أو من خلال القيم التي يجسدها، ومن المهم للغاية أن يظل الأزهر منارة هادية لهذه الأجيال، وأن يواصل أداء رسالته في نشر العلم، وترسيخ القيم، وتعزيز الوعي الديني الصحيح، وللأزهر أدوار متعددة، تتنوع بين التعليم والتوجيه، وتجديد الخطاب الديني، وبث الفكر الوسطي، وإيفاد البعثات الأزهرية، ونشر رسالته إلى العالم.
وهذه الأدوار جميعها يحتاج إليها المسلمون اليوم، وتحتاج إليها الأجيال الجديدة بصفة خاصة.
إن الأزهر يدرك طبيعة هذه الرسالة وأهميتها، ولذلك يسعى إلى تطوير أدائه، ومواصلة تجديد أدواته، وتنويع جهوده، حتى يكون قادرًا على التعامل مع التحديات الخطيرة، وغير المسبوقة التي نواجهها جميعًا، ونحن لا نزال نعاني من هذه التحديات معاناة كبيرة، لكن الحاجة إلى الخطاب الديني الواعي، أصبحت أكثر إلحاحًا في المرحلة الراهنة. فنحن بحاجة إلى خطاب يتسم بالتفصيل العلمي، والرسوخ في المعرفة، ويستند إلى شرعية القول الديني، ويجمع بين الفهم الصحيح للنصوص، والمعرفة الدقيقة بأحوال الأجيال الجديدة واحتياجاتها، وهذا هو الطريق نحو خطاب يستطيع التأثير الإيجابي في الشباب، ويقدم لهم إجابات واضحة عن تساؤلاتهم، ويساعدهم على التمييز بين الأفكار الصحيحة والمنحرفة، ويعزز ارتباطهم بالقيم الدينية والأخلاقية.
برأيك .. ما الذي يجعل الخطاب الأزهري الوسطي قادرًا على التعامل مع تساؤلات الأجيال الجديدة وتحدياتها الفكرية؟
تكمن أهمية دور الأزهر في تعدد مجالات رسالته، التي تشمل التعليم، والتوجيه، وبث الفكر الوسطي، وإيفاد البعثات، ونشر الرسالة الأزهرية إلى العالم.
وهذه الأدوار تحتاج إليها الأجيال الجديدة بصفة خاصة، وهو ما يفرض مواصلة تطوير الأداء، وتنويع الجهود، وتقديم خطاب ديني يتسم بالعلم، والرسوخ، والمعرفة الدقيقة بأحوال الشباب واحتياجاتهم، حتى يحقق التأثير الإيجابي المنشود، فالإسلام حث على الاقتداء بالقدوة الصالحة، لكننا نلاحظ اليوم تصدر نماذج تعتمد على الشهرة، والانتشار عبر المنصات الرقمية.
وكيف ترى أهمية تصحيح المفاهيم المغلوطة المتعلقة بالأسرة، بما يسهم في بناء أسرة تلتزم بالضوابط الشرعية، وتستطيع التعامل مع تحديات العصر؟
تعيش الأسرة هذه الفترة، في ظل تغيرات متسارعة، في عالم تتزايد فيه تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي، وتتغير فيه السلوكيات، والنماذج الأسرية، والقيم، وتتباين فيه تصورات الأجيال، واحتياجاتها، هذه التحولات تستدعي تجديد مناهج الفتوى، وتفعيل الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، لما له من مكانة كبيرة في النفوس، وكذلك المؤسسات الإفتائية، في الاستجابة لمشكلات الأسرة، والعمل على حلها، بما يساعد على بناء نموذج أسري، يلتزم بالقيم الدينية كما أرادها الله سبحانه وتعالى، وفي الوقت نفسه، يستطيع التعامل مع التحديات المستجدة في العصر الذي نعيشه.
ذكرتم المؤسسات الإفتائية .. فهل تحتاج الفتوى الأسرية اليوم إلى أدوات جديدة لمواكبة التحولات الاجتماعية؟
إن التغيرات التي تشهدها الأسرة، سواء على مستوى السلوك، أو القيم، أو طبيعة العلاقات بين الأجيال، تستدعي تجديد مناهج الفتوى، وتفعيل دور المؤسسات المعنية بها، والمطلوب هو أن تكون الفتوى قادرة على الاستجابة لمشكلات الأسرة، وحلها، بما يحقق التوازن بين الالتزام بالقيم الدينية، والتعامل مع التحديات المستجدة في العصر الحديث.
في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح الأطفال والشباب فيه، أكثر قدرة على التعامل مع مستجداته، كيف يمكن للأسرة تربية أبنائها تربية سليمة، تحميهم من دعوات الانحلال والإلحاد والتشدد؟
نحن اليوم أمام واقع لا يمكن تجاهله؛ فقد أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تيسير جوانب عديدة من حياة الإنسان، واتسع نطاق استخدامها، ليشمل معظم مجالات الحياة، حتى أصبحت أقرب إلى محاكاة الواقع نفسه، وإعادة إنتاجه، لقد انتشرت هذه التقنيات في حياة الناس، ولم يعد من الممكن تجاهل تأثيراتها، أو التعامل معها باعتبارها أمرًا عابرًا، ومع هذا التوسع الكبير في استخداماتها، وقدرتها على التسلل إلى أدق تفاصيل حياة الإنسان، لم تعد وسائل التحصين التقليدية كافية وحدها لحماية الأجيال الجديدة، حيث تراجعت الحواجز التي كانت تفصل بين هذه الأجيال، وبين التأثيرات الخارجية، وأصبح من الصعب إقامة حصون تمنع وصول الأفكار والمحتويات المختلفة إليهم، ومن ثم، لم يعد الحل في بناء الحواجز وحدها، وإنما في بناء المناعة الذاتية لدى الإنسان والشاب واليافع، وتتحقق هذه المناعة من خلال التربية الروحية، والأخلاقية، والقيمية، والأسرية، بحيث يمتلك الأبناء من الداخل: منظومة متماسكة من القيم والمبادئ التي تمكنهم من التعامل مع التأثيرات المحيطة بهم، دون أن تنحرف بهم نحو الاتجاهات غير المرجوة.
وهنا نعود مرة أخرى إلى الدور الحاسم للأسرة، وضرورة ألا تحول الظروف والتغيرات المتسارعة دون قيامها بمسؤوليتها التربوية، فالأسرة مطالبة بأن تؤدي دورها في بناء المناعة الذاتية لدى الأبناء، حتى يستطيعوا مواجهة متغيرات العصر، والتعامل معها بوعي، دون أن تفقدهم قدرتهم على التفكير المستقل، أو تدفعهم إلى التخلي عن قيمهم ومبادئهم.
هل أصبح من الضروري أن تنتقل الأسرة من محاولة منع الأبناء من التعرض للتكنولوجيا إلى بناء قدرتهم على التعامل معها بوعي؟
إن التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي، جعل من الصعب إقامة حواجز تحول دون وصول التأثيرات الخارجية إلى الأجيال الجديدة، ولذلك، فإن الحل لا يكمن في التحصين التقليدي وحده، بل في بناء المناعة الذاتية، من خلال التربية الروحية والأخلاقية والقيمية والأسرية، حتى يمتلك الأبناء القدرة على مواجهة متغيرات العصر، دون الانحراف عن القيم والمبادئ.
هل تعتقد أن غياب القدوة الصالحة عن المشهد هو السبب؟
بالفعل، هذا أحد التحديات الكبيرة التي يفرضها العصر الرقمي؛ إذ يدفع هذا العصر بقدوات جديدة إلى وعي الأجيال الشابة وضميرها، وتتصدر هذه النماذج مشهد الانتشار والشهرة، وتجذب اهتمام الشباب، وتؤثر في أذواقهم وتصوراتهم، وبذلك، تجد بعض هذه النماذج نفسها في موقع القدوة، اعتمادًا على شرعية الانتشار والشهرة وحدهما، وليس على شرعية أخرى تقوم على العلم، أو الأخلاق، أو الخبرة،
بينما الأصل: أن تستمد القدوة شرعيتها من قيمتها الأخلاقية والمعرفية؛ أي من قدرتها على أن تكون نموذجًا صالحًا للتأسي والاقتداء، ومن امتلاكها العلم والخبرة اللذين يؤهلانها للتوجيه والإرشاد، وتقديم الإجابات عن تساؤلات الناس، ومساعدتهم على تجاوز الحيرة، والتعامل مع ما يعترضهم من مشكلات واستفسارات.
فالقدوة الحقيقية ليست مجرد شخص يحظى بمتابعة واسعة، أو ينتشر اسمه بين الناس، وإنما هي شخصية تمتلك من الأخلاق والعلم والخبرة ما يجعلها جديرة بأن يقتدي بها الآخرون، وأن يسترشدوا بتوجيهاتها، ومن هنا، تتحمل الأسرة أولًا، ثم المؤسسات الدينية، مسؤولية كبيرة في إعادة الاعتبار إلى أصحاب القدوة الحقيقية، وإبراز النماذج التي تستحق أن تكون مرجعًا أخلاقيًّا وعلميًّا للأجيال الجديدة، ومن المهم أن يظل هؤلاء في مواقعهم الطبيعية، بوصفهم نماذج يُحتذى بها، ومعالم للاقتداء، حتى يتمكنوا من أداء دورهم في بناء وعي الأجيال القادمة، وترسيخ القيم التي تساعدها على مواجهة تحديات العصر بثبات ووعي.
ختامًا .. كيف يمكن للأسرة والمؤسسات الدينية إعادة الاعتبار إلى القدوة القائمة على العلم والأخلاق، في مواجهة قدوات الشهرة الرقمية؟
تتحمل الأسرة أولًا، ثم المؤسسات الدينية، مسؤولية كبيرة في إعادة الاعتبار إلى النماذج التي تستحق أن تكون قدوة حقيقية للأجيال الجديدة، ولذلك، ينبغي أن يحظى أصحاب العلم والخبرة والأخلاق بالمكانة التي تؤهلهم لأداء دورهم، بوصفهم مراجع، ومعالم للاقتداء، بما يساعد على بناء وعي الأجيال القادمة، وترسيخ القيم التي تحتاج إليها في مواجهة تحديات العصر.



