اخبارحوار خاص

اللواء أركان حرب د. سمير فرج في حوار خاص، حول دروس حرب أكتوبر: «أكتوبر» غيّرت مفاهيم القتال الحديثة .. والجندي المصري كان المفاجأة الأكبر.

دور الأزهر في المعركة لم يقتصر على الجانب الديني، وإنما امتد إلى الدعم المعنوي والإنساني للجنود.

حرب الاستنزاف كانت مرحلة مهمة جداً في بناء الخبرة القتالية المصرية، وإغراق «إيلات» أبرز الأهداف.

ما حققه الفكر العسكري المصري في حرب أكتوبر، كان جوهر عملية تطوير وتحديث في العديد من المجالات العسكرية.

حوار: محمد رأفت فرج

بعد مرور سنوات طويلة على حرب أكتوبر 1973م، لم تعد تلك الحرب مجرد محطة مضيئة في التاريخ العسكري المصري، وإنما تحولت إلى مادة أساسية للدراسة في مراكز الأبحاث الاستراتيجية، والكليات والمعاهد العسكرية حول العالم، لما قدمته من دروس جديدة في التخطيط، والقتال، والتسليح، والخداع، والمفاجأة، وإدارة العمليات.

وفي هذا الحوار، يستعرض اللواء أركان حرب، د. سمير فرج، أبرز الدروس العسكرية التي أفرزتها حرب أكتوبر، وتأثير الفكر المصري في تطوير العقائد القتالية، وكيف أعادت الحرب صياغة عدد من المفاهيم التي كانت مستقرة في المدارس العسكرية الغربية، فضلاً عن دور حرب الاستنزاف في الإعداد للمعركة.

بداية.. كيف تنظرون إلى حرب أكتوبر، بعد مرور كل هذه السنوات، من منظور عسكري واستراتيجي؟

حرب أكتوبر 1973م، ما زالت تمثل واحدة من أهم التجارب في تاريخ العلم العسكري الحديث. وبعد كل هذه السنوات، تؤكد مراكز الدراسات الاستراتيجية، والكليات والمعاهد العسكرية، أن ما قدمته هذه الحرب من دروس، كان ركيزة أساسية لعمليات التطوير في مجالات التسليح، والتنظيم، والتكتيكات، وأساليب القتال، وأعتقد أن الفكر المصري في هذه الحرب، عبّر عن جوهر التطوير والتحديث في مختلف المجالات العسكرية، ولذلك أصبحت التجربة المصرية، محل دراسة واهتمام، في العديد من المؤسسات العسكرية حول العالم.

وما الذي ميّز العقيدة القتالية المصرية، في مواجهة العقيدة الإسرائيلية؟

كان الجيش الإسرائيلي يتبنى في ذلك الوقت، مفاهيم العقيدة العسكرية الغربية، بينما كانت القوات المسلحة المصرية، تستخدم فكراً قتالياً جديداً، يجمع بين الفكر الشرقي، المستند إلى المدرسة السوفيتية، وبين خبرة القتال المصرية، التي اكتسبتها القوات المسلحة خلال السنوات السابقة.

وبالتالي كانت حرب أكتوبر، في جانب مهم منها: مواجهة بين فكرين عسكريين مختلفين، ليس فقط على مستوى الأسلحة والمعدات، وإنما أيضاً على مستوى التخطيط، وإدارة المعركة، وأساليب استخدام القوات.

هل كانت حرب أكتوبر حرباً تقليدية بالمعنى المعروف؟

من حيث التصنيف العام، كانت حرباً تقليدية، لكن ما جرى خلالها، لم يكن تقليدياً في العديد من تفاصيله. فقد استخدم الطرفان أحدث الأسلحة والمعدات، كما ظهرت منظومات جديدة لم تكن قد اختُبرت من قبل في ميادين القتال الحقيقية.

ومن أهم ما شهدته الحرب: الاستخدام المتقدم للحرب الإلكترونية، وكذلك الإجراءات الإلكترونية المضادة، وهو ما جعلها تجربة مهمة، في تطور التكنولوجيا العسكرية.

كيف أثرت حرب أكتوبر في العقيدة العسكرية الغربية؟

التأثير كان واسعاً، ويمكن الحديث عن مجموعة من المفاهيم التي أعيد النظر فيها بعد الحرب، أولها: أن الجيش المصري استطاع أن يواجه جيشاً يعتمد على عقيدة غربية، ويحقق نجاحاً كبيراً، في ظروف كانت الحسابات السابقة تجعلها شديدة الصعوبة.

كما أن إسرائيل دخلت الحرب وهي تستند إلى السمعة التي اكتسبتها بعد عمليات 1967م، ولذلك كان أداء القوات المسلحة المصرية، مفاجأة للمراكز البحثية، والمؤسسات العسكرية، التي بدأت بعد الحرب في دراسة كيفية تمكن الجيش المصري من مواجهة الجيش الإسرائيلي، وحرمانه من الاستفادة الكاملة من تفوقه الجوي.

وماذا عن عنصر المفاجأة الذي حققته القوات المسلحة المصرية؟

المفاجأة كانت من أهم عناصر نجاح حرب أكتوبر، وحققتها القوات المسلحة المصرية على المستويين: الاستراتيجي، والتكتيكي، ولم تكن المفاجأة مرتبطة فقط بموعد بدء الحرب، وإنما كانت منظومة متكاملة من التخطيط، والخداع، والسرية، وإخفاء النوايا الحقيقية للقيادة المصرية.

وقد أشار حاييم هيرتزوج، الرئيس الإسرائيلي الأسبق، ومدير الاستخبارات العسكرية الأسبق، في كتاباته عن حرب أكتوبر، إلى قوة الضربات الأولى التي نفذتها القوات المصرية، وما اتسمت به من تخطيط، وتنظيم، وسرعة، وتأثير.

وهل كان من الممكن تحقيق المفاجأة في عصر الأقمار الصناعية، ووسائل الاستطلاع الحديثة؟

قبل حرب أكتوبر، كانت هناك أفكار عسكرية تشكك في إمكانية تحقيق مفاجأة استراتيجية، أو تعبوية، أو تكتيكية كاملة، في ظل تطور وسائل الاستطلاع، والكشف المبكر، والأقمار الصناعية، لكن المصريين أثبتوا أن التخطيط الجيد، والخداع، والسرية، يمكن أن تحقق المفاجأة، حتى في ظل التطور التكنولوجي الكبير.

فالقوات المصرية حشدت قواتها على القناة، وتمكنت من إدخال قوات وإخراج أخرى، كما شنت الهجوم على المواجهة بالكامل، بخمس فرق مشاة، وهو ما صعّب على الجانب الإسرائيلي تحديد اتجاه الهجوم الرئيسي، وكان اختيار الساعة الثانية ظهراً لبدء الهجوم جزءاً من منظومة المفاجأة، إلى جانب إجراءات أخرى للخداع، من بينها فتح باب العمرة لبعض الضباط، وتسريح بعض دفعات الاحتياط، وغيرها من الإجراءات التي ساعدت على إخفاء النية الحقيقية للهجوم.

وكيف ترون الدور التاريخي الذي قام به الأزهر الشريف، خلال حرب أكتوبر، خاصة في دعم المقاتلين، ورفع روحهم المعنوية؟

كان للأزهر الشريف دور كبير ومؤثر خلال حرب أكتوبر، فقد خرج رجال الأزهر إلى الوحدات العسكرية بعد الأيام الأولى للمعركة، وحرصوا على زيارة الجنود والكتائب، ورفع روحهم المعنوية.

في بداية الحرب، لم يكن من الممكن إرسال علماء الأزهر إلى الوحدات العسكرية، حتى لا ينكشف تحرك القوات، أو طبيعة المعركة، لكن بعد نجاح قواتنا المسلحة في العبور إلى الضفة الشرقية للقناة، انطلقت قافلة كبيرة من علماء الأزهر الشريف، ضمت أكثر من مائة عالم، وتوجهوا إلى مختلف الوحدات والكتائب على الجبهة.

وكان لوجود علماء الأزهر بين الجنود أثر كبير في رفع الروح المعنوية، خاصة أن الحرب جاءت في شهر رمضان المبارك، وكان الجنود يؤدون واجبهم الوطني وهم صائمون، وكان العالم الأزهري يجلس مع الجنود، ويحدثهم عن فضل الدفاع عن الأرض والوطن، ويؤكد لهم أن ما يقومون به دفاع عن أرضهم وكرامتهم.

وقد ترك هذا التواصل أثرًا طيبًا في نفوس الجنود؛ فالجندي كان يجد إلى جواره عالمًا من الأزهر يشجعه، ويؤكد له أن ما يقدمه من تضحيات من أجل استرداد الأرض والدفاع عنها، هو عمل عظيم، وهو ما ساهم في دعم معنويات المقاتلين خلال تلك المرحلة الصعبة من الحرب.

لقد كان الأزهر حاضرًا إلى جانب المقاتلين في تلك اللحظات التاريخية، ولم يقتصر دوره على الجانب الديني، وإنما امتد إلى الدعم المعنوي والإنساني للجنود، الذين خاضوا معركة استرداد الأرض.

بكل تأكيد قدمت حرب الاستنزاف دروسًا عظيمة، ومهدت لانتصار أكتوبر، فما هي أهم هذه الدروس؟

حرب الاستنزاف كانت مرحلة مهمة جداً في بناء الخبرة القتالية المصرية، ومن أبرز الأمثلة: عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات»، التي كان لها تأثير مهم في تغيير أنماط التسليح، وأساليب القتال البحري، كما كان بناء حائط الصواريخ المصري غرب القناة، إنجازاً مهماً، وكان له دور رئيسي في حرب أكتوبر، حيث ساهم في تحييد القوات الجوية الإسرائيلية، ومنعها من تقديم الدعم الجوي الفعال للقوات البرية الإسرائيلية، أثناء عمليات عبور القوات المصرية للقناة.

كيف غيّر حائط الصواريخ المصري مفهوم استخدام القوات الجوية؟

قبل حرب أكتوبر، كان الفكر العسكري يتحدث بصورة أساسية عن مفهومين: «السيادة الجوية»، و«السيطرة الجوية»، لكن حرب أكتوبر أظهرت مفهوماً ثالثاً، هو: «تحييد القوات الجوية المعادية»، فقد كانت القوات الجوية الإسرائيلية قوية، وذات كفاءة عالية، ومع ذلك لم تستطع المشاركة بحرية في بعض مناطق القتال، نتيجة نجاح مصر في بناء منظومة دفاع جوي قوية غرب القناة، وهذا كان له تأثير كبير في منع الطيران الإسرائيلي من توفير الغطاء الجوي المطلوب للهجمات المضادة، ضد القوات المصرية التي عبرت قناة السويس.

وماذا عن قدرة المشاة المصرية على مواجهة الدبابات؟

هذه كانت من أبرز المفاجآت العسكرية في الحرب، قبل أكتوبر، كان هناك تصور بأن قوات المشاة لا تستطيع التمسك بالأرض لفترة طويلة، من دون دعم مدرع، لكن التخطيط المصري نجح في تغيير هذه المعادلة، وقد أتاح التوجيه رقم 41، الذي أعدته لجنة برئاسة الفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، للقوات المصرية، أن تعتمد على المشاة في مواجهة الهجمات المدرعة، خلال الفترة التي كانت فيها الكباري تُنشأ، وتعبر الدبابات عليها.

واستخدمت القوات المصرية الأسلحة المضادة للدبابات، وقواذف «آر بي جي»، والصواريخ الموجهة المضادة للدبابات، ومن بينها: «مالوتيكا»، إلى جانب تنظيم دفاعي متكامل، وكانت النتيجة: أن استطاعت كتائب المشاة المصرية صد الهجمات المضادة للمدرعات الإسرائيلية في شرق القناة.

وكيف أثرت هذه التجربة في قوانين القتال الغربية؟

أصبحت التجربة المصرية محل دراسة في المدارس العسكرية الغربية، ومن بين المفاهيم التي ارتبطت بالدروس المستفادة من حرب أكتوبر، ما عُرف بـ«الستارة المصرية المضادة للدبابات»، وهذه التجربة أثبتت أن المشاة يمكنها – إذا امتلكت التخطيط والأسلحة المناسبة – أن تواجه القوات المدرعة، وتتمسك بمواقعها حتى وصول القوات الرئيسية.

هل امتد تأثير حرب أكتوبر إلى القوات البحرية؟

نعم، وبشكل واضح، إغراق المدمرة «إيلات» كان من أبرز الأحداث التي دفعت إلى إعادة التفكير في شكل القوات البحرية وتسليحها، وبدأت دول كثيرة في إعادة النظر في الاعتماد على القطع البحرية الكبيرة وحدها، والاهتمام باللنشات السريعة الصغيرة، المزودة بالأسلحة المتطورة، وأجهزة الرادار، والحرب الإلكترونية، والإجراءات الإلكترونية المضادة، كما ظهر اهتمام أكبر بحاملات المروحيات ذات الأحجام الأصغر، والقدرات النيرانية المختلفة.

وماذا عن إغلاق الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر؟

هذا كان من المفاجآت المهمة في حرب أكتوبر، نجحت القوات البحرية المصرية في إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، وهو ما شكل نموذجاً جديداً لما أصبح يعرف في الدراسات العسكرية الغربية بـ«الحصار البحري عن بُعد»، وكانت الحسابات الإسرائيلية تتوقع أن أي محاولة مصرية لإغلاق الملاحة في البحر الأحمر، ستكون من خلال مضايق تيران وصنافير، وبالتالي ستكون في مدى القوات الجوية الإسرائيلية، لكن استخدام القوات البحرية المصرية لباب المندب، غيّر الحسابات، وظل ميناء إيلات مغلقاً خلال فترة القتال.

وهل قدمت حرب أكتوبر مفاهيم جديدة في أساليب الحرب؟

بالتأكيد، فقد أكدت أكتوبر أهمية استخدام أساليب غير تقليدية في الحرب الحديثة، ومن أبرز الأمثلة: استخدام خراطيم المياه في فتح الساتر الترابي لخط بارليف، وهي الفكرة التي فاجأت الجانب الإسرائيلي، إلى جانب إجراءات أخرى، استندت إلى التفكير غير التقليدي في التعامل مع التحصينات والعوائق الهندسية، ولهذا أضيفت بعد الحرب دروس جديدة، إلى دراسة «أساليب غير تقليدية في الحرب الحديثة».

وهل أثرت حرب أكتوبر في مفاهيم الدفاع أيضاً؟

نعم، ومن أبرز المفاهيم التي تأثرت «الدفاع المتحرك»، كان التصور الإسرائيلي للدفاع عن خط قناة السويس، يعتمد على وجود نقاط قوية في الخط الأمامي، مع احتياطيات مدرعة في العمق، تتحرك لمواجهة القوات المهاجمة، لكن الهجوم المصري على المواجهة بالكامل، واختراق الدفاعات الإسرائيلية، أربك هذا التصور، وأظهر محدودية قدرة الاحتياطيات المدرعة على التعامل مع اختراق واسع ومتزامن.

وبعد الحرب، ظهرت تطورات في الفكر الدفاعي الغربي، من بينها: مفهوم «الدفاع النشط»، كما طورت بعض الدول الأوروبية مفاهيم جديدة للدفاع المتحرك.

في النهاية.. كيف تلخصون تأثير الفكر العسكري المصري في حرب أكتوبر؟

أستطيع القول: إن ما حققه الفكر العسكري المصري في حرب أكتوبر، كان جوهر عملية تطوير وتحديث في العديد من المجالات العسكرية، سواء في التسليح، أو التنظيم، أو التخطيط، أو أساليب القتال.

والأهم، أن الحرب أثبتت أن التفوق العسكري لا يعتمد فقط على حجم السلاح، أو عدد المعدات، وإنما على الفكر الذي يوظف هذه الإمكانات، وعلى قدرة المقاتل على تنفيذ ما يخططه القادة، ولهذا، ستظل حرب أكتوبر 1973م، تجربة عسكرية مهمة، تدرسها المدارس العسكرية، لأنها لم تكن مجرد معركة انتهت بانتهاء القتال، وإنما تجربة تركت تأثيراً ممتداً في تطور الفكر العسكري الحديث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى