لا شك أن مفهوم (الجهاد): من أخطر الموضوعات التي حصل حولها في الفترة الأخيرة نوع من التباس المدلول، وضبابية الرؤية، وزيغ التصوُّر، ومن ثَمَّ ممارسات وتطبيقات خاطئة.
لقد حرص أصحاب الأفكار المتطرفة أن يتخذوا من الجهاد مطية لتحقيق أهوائهم السياسية التخريبية، وجعلوا من أيقونة الجهاد جاذبا لأفئدة الشباب المسلم الغيور على دينه وأمته، فأحدثوا بذلك فتنة عظيمة في الأمة الإسلامية، بل في العالم كله.
لقد نشرت مجلة النبأ الصادرة عن تنظيم داعش، مقالا بعنوان: «أعذار المنافقين في التهرب من الجهاد»، لم يكف كاتبه عن الدوران حول ذات الأفكار المغلوطة التي تبثها التنظيمات الإرهابية عن مفهوم الجهاد في الإسلام.
لقد افتتح الكاتب مقاله بقوله: «جاء في الأثر: كتب الله على المؤمنين القتال فكرهته النفوس وثقل عليها، فبين الله من ثواب أهلها وما أعده الله لهم من الكرامات، حتى اشتاقت إليه النفوس ولم تعدل به عبادة من العبادات….».
وهو أثر لا نعلم محله من دواوين السنة المعتبرة أو غيرها، يستشهد به الكاتب ليهيء نفوس الشباب لاستقبال ما يلقيه إليهم من أولوان التزييف والتضليل حول الجهاد وحقيقته.
ثم يعرض الكاتب لشبهات من أسماهم بالمنافقين، الذين غيروا مفهوم الجهاد عن أصله، فيقول: «الشبهة الأولى: قولهم إن الجهاد الذي بمعنى القتال قد انتهت أيامه».
وعلى الرغم من أن أحدا من المسلمين لا يقول بذلك، لكن الذي ينبغي التنبيه عليه أن الإسلام لا يحب للمسلم الحرب ولا القتال إلا مضطرا وفي أضيق الحدود، قال رسول الله ﷺ : «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية» [متفق عليه].
ثم هو يدعي في مقاله أن الله سبحانه بين أن بأس الكفار وصيالهم على الدين والعرض لا يدفع إلا بالقتال ولو كان فرديا.
ولا أدري أين بين الله تعالى أن بأس الكفار لا يرد إلا بالقتال، وهو الذي قال: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: 83]. وقال: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: 61].
ثم يستشهد على هذه الفكرة العجيبة بقوله: «فقد أجمع العقلاء جميعهم أن الحقوق لا تسترد إلا بالقوة. ولذا تجد كل من أسيء إليه يسارع إلى الرد دفاعا عن نفسه حتى الحيوان، فانطر كيف انتكست فطر وعقول هؤلاء ممن يسمون أنفسهم بدعاة الاعتدال».
والحق أن من يستشهد بالحيوان في مثل هذا الأمر، لهو الذي انتكست فطرته وضاع عقله، كيف وقد كرم الله بني آدم ورقى سلوكهم عن أن ينحط إلى مستوى الحيوانية، ولم تزل الأديان وعلى رأسها الإسلام تعمل على ارتقاء السلوك الإنساني وانتشاله من حضيض الحيوانية إلى قمة الإنسانية، ليأتي هؤلاء فيردوهم على أعقابهم إلى تصرفات البهائم.
ثم يفتري على الشرع المطهر فيقول: «وكل الآيات التي تكلمت عن العفو والصفح عن الكفار قد نسخت بآيات القتال وترصد الكفار».
على أن تلك دعوى عريضة لا يمكن قبولها، لا سيما وقد ردها أئمة الدين وفقهاؤه، وقد صنف الأئمة في الناسخ والمنسوخ فلم يذكروا آية اأنفال ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ وغيرها من آيات الصفح، فكيف يقال إنها منسوخة بآيات القتال، على أن الجمهور من أئمة الدين على مرحلية أحكام الجهاد وتنزيلها حسب ما يحقق مصلحة الأمة .
ثم هو يقول: «إن الصحابة أجمعوا على قتال من امتنع عن شيء من الشريعة، ويومها قال الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقد انقطع الوحي وتم الدين أينقص الدين وأنا حي» .
وهو دليل على مدى الجهل العريض بأحكام الشرع الشريف، لا سيما في هذه الجزئية، فإن الذين امتنعوا عن الزكاة، هم قوم خرجوا عن حكم ولي الأمر، فلما أنذرهم، خرجوا عليه بالسلاح، فقاتلهم، ولو كان الأمر كما يقولون لقاتل الصديق تاركي الصلاة، فهي حرابة واجهها الصديق رضي الله عنه.
ثم يعترض على من يقول: «إنا نعلم وجوب الجهاد ولكننا الآن نعد الأجيال ونربيهم على الجهاد ثم هم من سيجاهدون».
ولا أدري هل في ذلك من شيء؟ وهل أمر الله تعالى في كتابه إلا بذلك حين قال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين﴾ [الأنفال: 60]. وهل تفعل القوات المسلحة في بلاد الإسلام غير هذا؟
ثم يرد على من يقول: «لقد تسببتم في جهادكم بقتل الكثير من الأنفس والأرواح البئية من (المدنيين) الكفار أو من المسلمين الذين فتك بهم الطيران الصليبي. وقد أجاز لنا الشرع كل بالغ من الذكور إذا لم يكن لهم مع إمام المسلمين الشرعي عهد ولا ذمة، كما قتل رسول الله ﷺ جميع يهود بني قريظة. وأما من ليس من أهل القتال فأجاز لنا الشرع قتلهم في بعض الحالات كاختلاطهم بالمحاربين وعدما لقدرة على التمييز بينهم كما في مسألة التترس».
ولست أملك إلا أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، فإن يهود بني قريظة تلبسوا بالخيانة العظمى، فحكم عليهم بالإعدام بعد محاكمة عادلة، وهم الذين اختاروا القاضي بأنفسهم، فكيف يسوى بين الحالتين. وأما مسألة التترس فقد أجبنا عليها مرارا وتكرارا، وبينا خطأ فهمهم لها فالله خصيمهم في ذلك.