
نشر فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بسوهاج، مقالًا، للأستاذ الدكتور/ عصمت أحمد رضوان – عضو فرع المنظمة، وكيل كلية اللغة العربية بجرجا.
أكد خلاله أن من الظواهر الجديدة على مجتمعاتنا، والتي انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة السرقة باسم توظيف الأموال؛ حيث يظهر شخص يدّعي العمل في التجارة أو غيرها، ويطلب من الناس إعطاءه أموالهم لاستثمارها في مقابل أرباح مالية كبيرة.
ويستغل هذا الشخص طمع الناسِ في الربح السريع دون تعب، فيجمع أموالهم، ويعطيهم في البداية ما وعدهم به من ربح لإحكام خطته، فيزداد طمعهم، ويعطونه رأس المال والأرباح معا، وقد يقترضون أو يبيعون ممتلكاتهم لتنمية أرباحهم من هذا الاستثمار المزعوم.
وربما دعوا أقاربهم وأصدقاءهم للمشاركة في هذه الغنيمة الباردة.
ثم يجمع اللص هذه الأموال كلها ويختفي، تاركا ضحاياه يبكون على لبنهم المسكوب ومالهم المنهوب.
وقد عُرف هذا الشخص المحتال في المجتمع باسم (المستريح)، و(المستريَّح) بتشديد الياء وفتحها هو النطق العامي للمسترِيح بالتخفيف والكسر .
والمستريح اسم فاعل من استراح .
والعامة يقولون للغني الموسر (مرتاح) و(مستريح)؛ لأن عنده من المال ما يهيأ له وسائل الراحة وأسبابها.
والعجيب أن أكثر هؤلاء المحتالين من الأغنياء الذين أعماهم الطمع وحب المال.
ويرجع لقب (المستريح) إلى أول من اشتهر بهذا الأمر وهو المواطن أحمد مصطفى الذي اشتهر بلقب “المستريح”، واستطاع في عام 2014م أن يجمع من أهل قريته في صعيد مصر أكثر من 53 مليون جنيه لاستثمارها في تجارة بطاقات شحن الهواتف المحمولة، وتم القبض عليه في 2015، وحصل على حكم نهائي بالحبس لمدة 15 عاماً ورد 266 مليون جنيه للمدعين بالحق المدني في قضايا تتعلق بالاحتيال المالي.
وكأن هذا اللفظ قد تطورت دلالته من الخصوص إلى العموم فأصبح يطلق على كل من صنع صنيع أحمد مصطفى هذا من الاحتيال على الناس باسم توظيف الأموال واستثمارها.
ويذكرنا هذا التطور في دلالة اللفظ بكلمة ( الحاتي ) التي كانت لقبا لرجل اشتهر ببيع اللحم المشوي في القاهرة قديما، ثم صارت اسما لكل من يعمل في هذه الصنعة .
وهذه الظاهرة الجديدة ( ظاهرة المستريح ) تعكس ما طرأ على المجتمع من تغير كبير في ثقافة المجتمع ووعيه، وما انتشر فيه من صفات سلبية .
ولهذه الظاهرة أسباب كثيرة، أهمها :
- الطمع: فمودعو هذه الأموال في قبضة المستريح إنما دعاهم إلى هذا طمعهم في الربح السريع، والثراء دون تعب، وهذا الطمع هو الذي جعلهم فريسة سهلة لهذا المحتال .
ومن الأمثال الشعبية التي تُضرب في مثل هذا الموقف : “طالما وجد الطماع، فإن المُحتال بخير”.
- قلة الوعي: لا شك أن قلة الوعي من أسباب انسياق الناس وراء هؤلاء المحتالين، ومن العجيب أن كثيرا من أهل الاحتيال بهذه الطريقة يظهرون كل يوم ، ويتكرر منهم (السيناريو) نفسه من دون أن يتعظ الناس بمن سبقهم من الضحايا .
بل إنه من المضحكات المبكيات أن الضحية نفسها قد تتعرض للاحتيال من أكثر من مستريح، كما جاء في لقاء مع أحد الضحايا في قناة فضائية : “تعرضت للنصب من اثنين من المستريحين في أسوان ، وللأسف لست الوحيد، فهناك أناس كثر كانوا ضحايا لثلاثة أو أربعة من المستريحين”.
- أسباب اقتصادية :
يقول علماء الاقتصاد: “إن ظاهرة المستريح تتواجد بكثرة في الاقتصادات الناشئة التي تعاني من غياب معايير ضبط الأسواق وغياب استخدام الموارد المالية المناسبة في الأسواق وغياب الوعي الاستثماري والمالي”.
ومن الوسائل المقترحة لعلاج هذه المشكلة :
١_ التوعية بعدم الانسياق وراء هؤلاء المحتالين .
وهذه المسئولية تقع على عاتق رجال الدين ، ومسئولي الإعلام، فعلى هؤلاء وأولئك أن يحذروا الناس من هذا الأمر الذي يعرضهم لفقد أموالهم .
٢_ التوجيه إلى وسائل آمنة ومشروعة لاستثمار الأموال، ومن أهمها التجارة وإقامة المشروعات .
٣_ ضرورة تغليظ عقوبة النصب على المواطنين بهذه الطريقة حتى تصبح عقوبة رادعة، وتحد من تكرار تلك الوقائع .
وأخيرا يبقى تمسك الإنسان بدينه وأعرافه، وتحكيمه لعقله حوائط صد قوية ضد وقوعه في شباك هؤلاء المحتالين.



