
من العقبات الكبرى التي واجهت الإسلام في بدايته قضية إدمان الخمر؛ فقد كان شرب الخمر سائدًا في المجتمع الجاهلي، يألفونه كما نألف نحن في زماننا الشاي أو القهوة، وكأنه علامة إكرام للضيوف، فلا تخلو مائدةُ كريمٍ من تقديم الخمر لاسيما المُعَتَّق الذي يغيِّب العقل سريعا لشدة إسكاره، ومع كراهية الإسلام الخمرَ، وتحريمه واعتباره كبيرة من الكبائر إلا أنه عالج هذه القضية بحكمة بالغة على مراحل؛ فبيَّن منافعه ومضارَّه دون تحريم؛ تهيئةً للعقول؛ لتقبل تحريمه وذلك في قوله – تعالى:{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} فالعلماء يقولون إن الآية لا تحريم فيها للخمر، ولكنها أرادت أن يغير الناس ثقافتهم في الخمر واعتبارها من المضرات؛ ولذا فلا ينبغي أن يُعَدُّ تقديم الخمر من إكرام الضيوف، وللتدليل على الكرم يُجْعَلُ مكانها على المائدة بثمنها وأكثر من الطيبات التي لاضرر فيها، وبعد أن تغيرت ثقافة الناس وفقد الخمر احترامه ومكانته في نفوسهم بدأ التحريم، وكان تحريما جزئيا، وذلك في قوله – تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } وبهذه الآية مُنِعَ الناس من تناول الخمر قبل وقت الصلاة بما يضمن عدم وجود أدنى درجة سكر عندهم، فَقَلَّتْ فرص تعاطي الخمر، وأصبح بالإمكان تناولها مرات قليلة في اليوم، ومن كثرت أعماله، أو طال نومه ربما لا يجد فرصة لتناولها في بعض الأيام، كما أدرك المسلمون -وهم يعلمون أن الأحكام تتنزل- أنه مادام الإسلام قد حرمها جزئيًّا ففي الغالب سيحرمها بشكل كامل، ولذا امتنع كثير من المسلمين عن تعاطي الخمر بالكلية بعد هذه الآية، ولذا حين نزل قوله – تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وحين سمعوا قوله – تعالى: ﭽ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَﭼ؟ قالوا: «انتهينا» وأراقوا ما في بيوتهم من خمر وتخلوا عن شربه بشكل كامل، فانتهت مشكلة الخمر وعولج الناس من الإدمان بفضل التوجيه الإلهي الحكيم المتمثل في التدرج من التثقيف إلى التحريم الجزئي وانتهاء بالتحريم الكلي، وقد استفاد أهل الاختصاص العلاجي بهذا المنهج الإلهي فيعالجون المدمنين بقليل الجرعات والمباعدة بين فترات تعاطيها حتى يتخلص الجسم من آثارها.
ونتيجة لبعد كثير من الناس عن توجيه شرعنا وأحكامه ومع موقف شرعنا الصارم والحاسم من قضية الإدمان للخمر وغيره عاد كثير من الناس لشرب المسكرات من جديد، كما تعددت أنواعها ولم تصبح محصورة في التمر والعنب اللذين كان يُصْنَعُ منهما الخمر الجاهلي، بل ظهرت مسكرات من مركبات كيميائية، كثير منها صنع للسيطرة على الحيوانات المفترسة والجامحة، كما صنع بعضها لتخدير المرضى قبل العمليات الجراحية، كما تنوعت طُرُقُ تناول هذه المسكرات والمخدرات، فبعضها يحقن وبعضها يشم بالأنف، وغير ذلك، وأخذت هذه الأنواع وتلك الوسائل تتطور وتتوارث بين الناس جيلا بعد جيل حتى عصرنا الذي نعيش فيه، فكثير من الشباب وربما الأطفال ذكورا وإناثا، فضلا عن الكبار يشربون أنواعًا شتى من الخمور، ويتعاطون أنواعًا أخرى من المسكرات والمخدرات، أضرت بهم وجعلتهم عالة على أسرهم ومجتمعهم.
والعجيب أنه برغم التحريم القطعي للخمر واعتباره كبيرة من الكبائر، يخرج علينا البعض من آنٍ إلى آخر فيقول: لم نجد في كتاب الله دليلا على تحريم الخمر، ونقول لهؤلاء: وماذا نصنع إن كان الله أعمى بصائركم وأبصاركم؟ فالله – عز وجل- يقول: ﭽ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَﭼ ، ثم يقولون: لا نجد دليلا على تحريم الخمر في السنة، ورسولنا يقول: «لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ»، ويقول: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ»،ويقول:«لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ» فهل تستطيعون صرف هذه الأحاديث عن إفادة التحريم القطعي للخمر؟ وماذا تقولون عن إجماع علماء المسلمين في كل العصور على تحريم الخمر، واعتباره كبيرة من الكبائر العظيمة؟ وهل أجمعوا على تحريم الخمر من دون وقوفهم على دليل محرم، وهل أنتم يا من لا تحسنون قراءة آية بشكل صحيح فهمتم النصوص على خلاف فهم الثقات إياها؟!
ثم ابتلينا بفريق آخر يقولون: إن الخمر حرام لكن المحرم هو ما كان مصنوعا من تمر أو عنب فقط؛ لأنه هو الذي نزل فيه التحريم، ولذا فإن الخمور الموجودة في زماننا لايشملها التحريم، وكأن هؤلاء لايعرفون أن القياس الأصولي مصدر من مصادر الاستدلال على الأحكام، وأن العلة التي من أجلها حرَّم الخمر الجاهلي موجودة في خمور زماننا، فهي تُغَيِّبُ العقل وتدمر الصحة وتتلف المال، وهو ما يفعله الخمر المصنوع من التمر والعنب، ثم إن خمور زماننا أسوأ بكثير من الخمر المصنوع من التمر أو العنب، فالتمر والعنب من الفاكهة الطيبة، ومع ذلك لمَّا كان المصنوع منها ضارًّا حُرِّمَ، أما خمور زماننا فأصولها ليست طيبة كالتمر والعنب فهي أولى بالتحريم.
إن مثل هؤلاء مثل أبي نواس الشاعر الذي أدمن الخمر، فكان يشربها ليلًا ونهارًا، وعندما أتى رجل إليه لينصحه بالتوبة وترك الخمر، قال له أبو نواس:
دَعِ المَسَـــــــاجِــــدَ لِلْــــعُـــبَّــــادِ تَسْــــكُـــنــــــُهَـــا وطُــفْ بِنَا حَوْلَ خَمَّارٍ لِيَسْقِينَا
مَا قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلأُلَى سَكِرُوا بَلْ قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَا
وليت هؤلاء يكرمون بما انتهى إليه أمر أبي نواس؛ فقد قال من الشعر قبيل موته ما يشير إلى توبته وندمه، ومنه:
يا رَبِّ إِن عَظُمَتْ ذُنوبي كَثرَةً فَلَقَدْ عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ فَبِمَنْ يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعًا فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ
مَـــــا لي إِلَيْكَ وَسيلَــــةٌ إِلَّا الرَّجا وَجَميلُ عَـــــــفــــــوِكَ ثُــــــمَّ أَنّي مُسلِمُ
وقد قيل إن الإمام الشافعي صلى على جنازته بعد أن سمع هذه الأبيات، أما هؤلاء فهم يصرون على ما يبدو على الموت وهم عصاة، يتحملون آثامهم وآثام من ضللوا من الناس، وأغروهم بشرب الخمر وتناول المسكرات والمخدرات.
فياهؤلاء وهؤلاء: اتقوا الله واحذروا يوم الوقوف بين يديه حين تُسْأَلونَ عن إفساد الشباب وإدمانهم، وتداركوهم قبل فوات الأوان، وأعلموهم بأن كل الخمور والمخدرات والمسكرات محرمة ولو صنعت من اللبن أو الماء.
ويا أيها الآباء: انتبهوا إلى أولادكم واعلموا من يصادقون وأين يذهبون، وحذروهم من هذه المهلكات، فتحدثوا عنها دائما وعن أضرارها منذ صغرهم؛ لتستقر كراهتها في نفوسهم ولايقربوها.
ويا أيها الأبناء والإخوة: كيف رضيت عقولكم بتغييبكم إياها وإضراركم بأبدانكم وصحتكم وتعطلكم عن التعلم والعمل، ومن قبلها عبادة الله، فلا يتصور أن تجد مدمنًا منتظمًا في صلاته، وربما تجد الكثيرين منهم حتى في وقت صلاة الجمعة أو العيدين يغطون في نومهم على أسرتهم لم يصلوا الصبح ولا الجمعة، فيستيقظون كسالى عالة على مجتمعهم مقصرين في مسؤولياتهم تجاه أنفسهم وزوجاتهم وأولادهم إن كانوا أرباب أسر.
توقف أيها الشاب وأيتها الفتاة عن كل مسكر ومفتر بل توقف وتوقفي عن التدخين فهو حرام، ولوموا أنفسكم إذا رأيتم إخوانكم ينجحون ويعملون ولهم قيمة بين الناس وأنتم لا نفع فيكم لأنفسكم ولا لمجتمعكم.
يا أيها الآباء: انتبهوا إلى تربية أبنائكم ونشؤوهم على الدين وتوجيهاته السلوكية وقيمه وأحكامه، وتابعوا تحركاتهم واعرفوا أين يذهبون، ومن يصادقون. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعايته.
– ويا أيها الأبناء والبنات والرجال والنساء: أعطاكم الله عقولا فلا تعطلوها، وأعطاكم صحة فلا تضعفوها وأموالا فلا تبددوها؛ فمجتمعكم ينتظر جهودكم؛ لتنميته ورقيِّه وليس استنزاف ثرواته لعلاجكم.
– ويا جهات التعليم والدعوة والإعلام والتشريع والشرطة والقضاء: ابذلوا ما في وسعكم لحماية المجتمع وتخليصه من الإدمان بأنواعه كافة.
– ويا أيها المنتسبون للعلم: اتقوا الله وانتبهوا لكلماتكم؛ حتى لا تهوي بكم في قعر جهنم، فاحذروا من الإدمان ولا تساعدوا الشباب عليه بأقوالكم الباطلة.
– ويا تجار السموم: اتقوا الله وتوبوا إليه واعلموا أنكم ستحاسبون على ما يصيب المدمنين من أضرار، وأنكم شركاؤهم فيما يرتكبون بسبب إدمانهم حتى ولو كان قتلا لغيرهم.
أ.د/ عباس شومان، رئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، أمين عام هيئة كبار العلماء



