
بقلم: د. حمد الله حافظ الصفتي
كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يستفتونه في أمور دينهم؛ فيفتيهم بما أنزل الله عليه من الوحي، أو يسُنُّ لهم سُنَّة فيما لم يَرد فيه قرآن؛ فيجب عليهم اتِّباعُها بنَصِّ القرآن الكريم: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 7].
وكان جملةٌ من نبهاء الصحابة رضوان الله عليهم يحفظون فتاواه ﷺ ويتفقَّهون به؛ مع حصول أدوات الفهم عندهم بالفطرة، لرجاحة عقولهم، وشهودهم التنزيل، وإحاطتهم بمقاصد الشرع؛ فوجَدوا أنفسهم بعد وفاته ﷺ أمام مسائلَ كثيرةٍ لم يرد فيها نَصٌّ صريح من الكتاب أو السُّنَّة، فدخلوا باب الاجتهاد بالرأي لمعرفة الحكم الشرعي فيما جَدَّ من القضايا، سائرين في ذلك على منهج رصين، وقاعدة دقيقة، يهتدون بها في استنباط الأحكام من النصوص الشرعية، فلم يكونوا يخبِطون خَبْطَ عشواء بلا قانون عاصم، أو دليل مرشد.
جاء بعد الصَّحابة جيل التابعين رضوان الله عليهم ـ الذي يُعَدُّ حلَقَة الوصل بين الصحابة وجيل الأئمة أصحاب المدارس الفقهية ـ فرووا أحاديث رسول الله ﷺ وآثار أصحابه، واجتهدوا في معرفة ما لم يَرِد فيه نَصٌّ من القرآن والحديث والأثر، مُهتَدين بجيل الصحابة، مُترسِّمين خُطاهم في اجتهاداتهم.
ثمَّ جاء تلاميذ التابعين الذين ارتبط تاريخُهم بتكوين المدارس الفقهية المشهورة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية)، فورِثوا عن السابقين منهجهم في البحث الفقهي، إذ لم يكن المنهج الذي سلكه المجتهدون من الصحابة والتابعين اختراعًا فكريًّا أبدعه العقل من لا شيء، بل هو مجموعة من القوانين الفِطرية التي تُهيمن على سَيْر العقل البشري ويتحاكم إليها لبداهتها؛ لأنه من الحقائق الثابتة التي تُسلِّم لها العقول وتنقاد لها الفطرة السليمة عن شوائب الأهواء دون عناء أو جهد.
فموقف العقل البشري من المنهج الفقهي الذي اتَّبعه المجتهدون هو الرَّصد، ثم الكشف، ثم تقعيد القواعد وصياغتها، وليس اختراع المنهج أو إبداعه؛ إذ لو كان بإمكان العقل اختراع منهج علمي، لاحتاجت عملية الاختراع نفسها إلى منهج يضبطها ويحفظ خطواتها من الزَّلل والوَهم، ولاحتاج هذا المنهج بدوره لمنهج آخر؛ فيؤدِّي إلى تسلسل العلل غير الذاتية إلى ما لا نهاية، وهو ما يستحيل في بداهة العقول.
وهكذا صارت تلك المدارس الفقهية عيونًا ترى بها الأمة أحكام الشريعة الغراء، وتُصدر من خلالها الرأي فيما يُقبَل أو يُرَدُّ، وصار فقهاؤها ومجتهدوها يتعاملون مع النوازل الفقهية وفق المناهج البحثية المحرَّرة للوصول إلى الأحكام السديدة المتفقة مع مقاصد الشرع الشريف في الحياة الإنسانية، حسَب متطلبات عصورهم، فكانت الشريعة بذلك صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان.
ومع ظهور الأهواء، وتفرُّق الأمَّة شيعًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون، اتخذ كل جماعة لأنفسهم مرجعية خاصة، هدفها التبرير وليس التَّحرير، والاستناد وليس الاعتماد، فبدأ الشذوذ الفقهي يظهر في الأمة، وصار لمتفيقهة العصر وَلَعٌ غريبٌ بتبني الآراء الفقهية المهجورة، والعمل على إحيائها، تحت دعوى التيسير، وباسم تحقيق المصلحة ورعاية المقاصد الكُلِّية للشريعة، متناسين أن الشريعة كما هي مقاصد وكليات، فهي أيضًا أحكام مستقرَّة ومحرَّرة، جرى عليها عمل الأمة شرقًا وغربًا.
ولعل السبب في هذا الفهم العجيب: ما دبَّ على البيئة العلمية التي نشأ بها هؤلاء المتفيقهة من عدم انضباط بما أصَّله الأئمة السابقون من مناهج الفهم وقواعد الاستنباط وطرق التعامل مع أحكام الشريعة الغراء.
وهؤلاء وأمثالهم أحرار، يرون ما يشاؤون تحت مسؤولياتهم الأدبية، وجمهور الناس أيضًا أحرار في مناقشة تلك الآراء، أو الاكتفاء بتسجيلها بأسماء أصحابها؛ لتكون مثالًا واضحًا أمام الأجيال اللاحقة على مدى الشذوذ الفقهي الذي وصل إليه هؤلاء.
وقد ساعدت وسائل التواصل الحديثة على انتشار تلك الشذوذات الفقهية، نظرا لما لهذه الوسائل من قدرة فائقة في الوصول إلى أكبر عدد من جمهور الناس على مستوى العالم في وقت قصير ودون كبير جهد أو تعب.
ولعل المهتمين بالمجال الفقهي يتذكرون جيدا: فتوى إرضاع الكبير، والتي تراوح عدد مشاهديها على موقع يوتيوب ما بين 138 مشاهد في أقل إحصاء، إلى المليون مشاهد في أكبر إحصاء، ومثلها: فتوى عدم فرضية الحجاب، والتي حصل أحد المقاطع الخاصة بها في يوتيوب على 44496 مشاهدة.
وكذلك: فتوى تحليل الخمر المصنوعة من غير العنب دون قيد أو شرط، وفتوى صيام رمضان ليس فرضا بل هو اختيار، وفتوى عدم وقوع الطلاق الشفهي، وغيرها كثير يعرفه المهتمون بمجال الفقه والفتوى.
ولا ينكر أحد ما تتركه هذه الفتاوى الشاذة من الآثار السلبية على المجتمع، إذ تشوه صورة الدين وأحكامه، وتجعله مثارا للسخرية والتندر، وتزعزع الثقة بالعلماء ومؤسسات العلم الشرعي، وتنشر البلبلة والحيرة لدى العامة، وأن وسائل التواصل الحديثة تسهم في انتشار تلك الفتاوى الشاذة، وخلق أجواء من الصراع بين العلماء والمفكرين بشأن بعض الأفكار المختلف حولها.
والذي ينبغي أن يقوم به المسؤولون عن مجال الفقه والفتوى تجاه ذلك، ومن وجهة نظري: وضع ضوابط للفتيا عبر وسائل التواصل، وضرورة الاختيار الدقيق ـ الذي يحقق شروط الفتيا ومواصفات المفتين ـ لكل من يقدم فتاوى عبر الفضاء الإلكتروني، مع دعوة العلماء والمفتين في مختلف الأقطار الإسلامية إلى التنسيق فيما بينهم لمناقشة القضايا والنوازل المستجدة، وتقديم فتاوى جماعية من خلال وسائل التواصل الحديثة، بدل الاعتماد على الفتاوى الفردية التي يكثر فيها الخطأ وتعمم فيها الحالات الخاصة على القضايا العامة، مع العمل بالوسائل القانونية على حجب الفتاوى الشاذة المسيئة للدين وأحكامه على تلك الوسائل، بدل الانشغال بالرد عليها ولفت انتباه الناس إليها أكثر، ومن الأهمية بمكان أيضا تنسيق هيئات الإفتاء والعلم الشرعي مع كليات الإعلام، لوضع برامج تكوين مناسبة للإعلاميين الذي يرغبون في العمل كمقدمي أو معدي البرامج الدينية بشكل عام وبرامج الفتوى بشكل خاص.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.



