الفتوى ويقول رب العزة جل وعلا: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}،ولقد اصطفى رب العالمين من بين خلقه فئة من العلماء، حملوا مسؤولية التوقيع عن رب العالمين، يبصرون الناس بأحكام شرعهم الحنيف، فيفتونهم فيما يعرض لهم في عباداتهم ومعاملاتهم ونزاعاتهم، مهتدين بنصوص شرعهم الحنيف في الكتاب والسنة ومصادر الاجتهاد التي تفرعت عنهما، ومن رحمة الله بهؤلاء العلماء أن وسّع لهم دائرة الاستنباط، وجعل اختلافهم المبني على قواعد النظر مقبولًا، وإن تعددت فيه الأقوال، وجعل الفتوى في مجالات الحياة متغيرة بتغير الأزمنة والأمكنة، وأحوال الناس وأعرافهم، والقاعدة عند فقهائنا: «كل مجتهد مصيب»، ولقد عنون الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما بابًا، بعنوان : «باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ»، وفي مسند الإمام أحمد : «إِذَا قَضَى الْقَاضِي فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ عَشَرَةُ أُجُورٍ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ كَانَ لَهُ أَجْرٌ أَوْ أَجْرَانِ» ، وكلنا يحفظ ما رواه الترمذي وغيره: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».
إن الفتوى ترتبط بأمن المجتمع الفكري ارتباطا وثيقا، فالفتوى -بكل تأكيد- ضمانة للأمن الفكري عن الانحراف والشطط، مع تيسير، تقبله شريعتنا وتدعو إليه، فما خيّر رسولنا بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا؛ وتناول هذا الموضوع في غاية الأهمة، لا سيما في وقتنا هذا؛ حيث تطفل كثير من غير المؤهلين على موائد الإفتاء، غير مدركين لخطورة الفتوى، وصعوبة صناعتها، وأنها لا يقوى عليها إلا الراسخون في العلم، الذين يعرفون جملة من العلوم، لا يعرف كثير ممن يتصدون للإفتاء مباحثها، ولا الفرق بين أسمائها، فلو سألتهم عن معنى القطعي ثبوتًا ودلالةً من نصوص القرآن والسنة، وعن القطعي ثبوثًا الظني دلالةً، وعن الفرق بين مجمل القرآن ومفصله، وعامه وخاصه، وعن الفرق بين الفقه وأصوله، وعن القواعد الأصولية والفقهية…ما استطاعوا الإجابة، ومع ذلك يتصدون للإفتاء بجرأة، يحسدون عليها، بل يصدر أحدهم فتواه التي لا تعرف لها أصلًا، تستند عليه، ثم الأدهى والأمر يدّعي أنها الحق، وأن ما خالفها من فتاوى السابقين والمعاصرين باطل، لا يلتفت إليه!
لقد أدرك الناس خلال السنوات الأخيرة مدى تأثير الفتوى على الأمن الفكري، وأن الفتاوى غير المنضبطة، التي تصادم الموروث اليقيني ، أحدثت حالة من النقاش الجدلي بين الخاصة والعامة، وهو ما أثر سلبًا على الأمن الفكري في مجتمعنا، ومن ذلك: محاولة تبني فتاوى تسوّي بين النساء والرجال في الميراث، بدعوى إنصاف المرأة، مع أنها تجر ظلما على المرأة، وتفقدها كثيرًا من مكتسباتها الماليّة، التي حظيت بها في شريعتنا؛ حيث تتفوق ميراثًا في العديد من المسائل على الرجل، وترث في حالات، ولا يرث مساويها من الرجال، وتسويتها بالرجل يضر بها، وينفع الرجل ،وتلك الفتاوى التي تنفي فرضية الحجاب الثابت قطعًا بكتاب الله.
ونفي تحريم الخمر الذي لا يخطئ تحريمه إلا من أعمى الله بصيرته قبل بصره، وفتاوى تزعم حرّية مالك المال أثناء الحياة حريّة مطلقة، لدرجة أنهم أجازوا لمن كانت ذريته من البنات فقط أن يكتب لهم كامل ما يملك، مع ما في ذلك من حرمان إخوة الميّت وأعمامه من ميراثه، وأسأل هؤلاء سؤالًا: ماذا لو كان لرجل ابن فاسد، فأراد أبوه كتابة أمواله لبناته؛ خوفًا عليهن من أخيهن، فهل ستفتونه بالجواز؟ فإن قلتم: نعم. فما دليلكم على حرمان وارث لفسقه؟ وإن قلتم لا. فأقول لكم: فما الفرق بين الإخوة والأبناء، وكلاهما يرث بنفس الطريقة، وهي التعصيب؟ ثم سؤال آخر: لو جازت كتابة الأموال للبنات، فمن ذا الذي له بنات فقط يموت، ويترك أمواله دون أن يكتبها لهن؟ وهنا يكون السؤال: إذا كان الأمر كذلك، فمتى يرث الأخ وابنه، والعم وابنه، وباقي العصبات، وقد ورثهم رب العالمين؟ وكيف يخاف الأب على بناته من أعمامهن، وقد جعل شرعنا لهن ثلثي تركته على الأقل، وفي كثير من حالات التوريث العادية لا تستحق البنات هذا المقدار؛ لكثرة الأبناء الذكور؟
لن يستقيم الأمن الفكري إلا إذا انضبطت الفتوى، ولن تنضبط الفتوى إلا بتشريع، يمنع غير المؤهلين من التصدي للإفتاء، لاسيما الفتاوى العامة، وبخاصة تلك التي تكون بوسائل الإعلام المتابعة، ويُقصر ذلك على جهات الإفتاء الرسميّة، ومن ترخص له في ذلك، بعد ثبوت صلاحيته.
والفتوى مهارة تتطلب علم الشريعة وعلم الواقع، وما يتطلبه الواقع من رأي سديد، يصلح به أمر العامة، ويحقق مقاصد الشريعة.
فالفتوى علم متين، يؤخذ عمن تأهل لها، وآفة أهل عصرنا الانخداع ببريق القول أو المظهر، الذي لا يغني عن حقيقة العلم شيئًا.
ولله در الإمام ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك الذي قال: «من إخواننا من نرجو بركة دعائه، ولو شهد عندنا على شهادة ما قبلنا»..
فهؤلاء أئمة الإسلام يعرفون للعابد الزاهد قدره، لكن -في ميدان العلم- الأخذ لا يكون إلا من العالم المتقن المدقق البصير بالأدلة الشرعية وبالواقع، مع مراعاة مآل فتواه.
ولن يتحقق الأمن الفكري، إلا استحضر المفتي الذي يتصدى للإفتاء -بعد تأهله- المقولة الخالدة للإمام القرافي في كتابه الفروق: «فهما تجدد في العرف فاعتبره، وما سقط أسقطه ، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك، يستفتيك، لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين».
فهذه الوصية التي تكتب بماء الذهب، يلزم المفتي أن يجعلها نصب عينيه، حاضرة في عقله، عند صناعة الفتوى لمستفتيه.
إن الفتوى يجب أن تكون أبعد ما تكون عن الهوى، ولا علاقة لها بسباقات التريند، الذي فُتن كثير من الناس به في زماننا، فالمفتي يتحرى الحق، راجيًا من الله الأجرين إن وفق، وراضيًا بالأجر الواحد إن أخفق؛ كما أخبر رسولنا الأكرم، وعلى طالب الفتوى أن يطلبها من مفتٍ مؤهل، وليحذر من المتطفلين على موائد الفتوى من دون تأهل علميّ، وليحذر هؤلاء الذين يفتون بغير علم غضبة الجبار، وليرحموا أنفسهم من تحمل ذنوب من يفتونهم بغير علم فوق ذنوبهم، فقد روى أبو داود قول رسولنا : «من أُفتي بغير علم كان أثمه على من أفتاه» وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا، حتى ترجع إلى الأول» وقال الإمام مالك: «من أجاب في مسألة، فينبغي من قبل أن يُجيب فِيهَا أَن يعرض نَفسه على الْجنَّة وَالنَّار، وَكَيف يكون خُلَاصَة فِي الْآخِرَة؟ ثمَّ يُجيب فِيهَا».
«وسأل رجل سحنون مسألة: فتردد إليه فيها ثلاثة أيام، فقال: وما أصنع لك يا خليلي، ومسألتك هذه معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحير في ذلك، فقال له: وأنت أصلحك الله لكل معضلة، فقال له سحنون: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار».
وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان: «لولا الفزع من الله أن يضيع العلم ما أفتيت»، وقال أيضًا: «الحجر على الحر باطل … إلا على ثلاثة: المفتي الماجن، وعلى المتطبب الجاهل، وعلى المكاري المفلس؛ لما فيه من الضرر الفاحش إذا لم يحجر عليهم: فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم، والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم، فيمتنعون من ذلك؛ دفعا للضرر»
وأذكر من يفتون بغير علم بقول رسولنا: «الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: وَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِى النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِى فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» .
فاحذر -يا من ابتليت بإفتاء الناس- الإفتاء بغير الحق الذي تعلمه، أو الإفتاء عن جهالة، وعليك التأسي بسلفنا الصالح في البعد عن الإفتاء ما وجدت لذلك سبيلًا، واترك الفتوى لمن تعيّنت عليهم، ولا يجدون منها مهربًا، فهذا العلمُ يحمله من كل خلَف عدولُه، ينفون عنه: تحريف الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الغالين.
أ.د عباس شومان رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الأزهر ، الآمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف



