
استمرارًا للدور التوعوي والثقافي الذي يضطلع به جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في ترسيخ الوعي الديني الرشيد، وتعزيز منظومة القيم الوطنية، نظم ندوة بعنوان: «الفتوى ودورها في تعزيز قيمة الانتماء إلى الوطن»، وذلك تأكيدًا على مركزية الفتوى بوصفها أداة وعي وبناء، وليست مجرد إجابة فقهية معزولة عن واقع المجتمع وتحدياته.
شهدت الندوة منصة نقاشية رفيعة المستوى، شارك فيها فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، رئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر ، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، والأستاذة الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشارة فضيلة الإمام الأكبر لشؤون الوافدين، وقد أدار الندوة الدكتور محمود عبد الرحمن، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية، وذلك في سياق علمي منضبط، أتاح المجال لطرح رؤًى معمقة حول مسؤولية الفتوى في بناء الإنسان الواعي بقضايا وطنه، والمدرك للتلازم بين القيم الدينية الصحيحة ومتطلبات الاستقرار الوطني والتنمية الشاملة، مؤكدًا أن موضوع الندوة جاء مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بأزمة الوعي والفهم والهوية التي يعاني منها الشباب والأجيال الجديدة.
حضر الندوة فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، عضو مجلس منظمة خريجي الأزهر، وعدد من العلماء والباحثين والعلماء، ورواد جناح دار الإفتاء بالمعرض.
بدايةً، أكد فضيلة الأستاذ الدكتور عباس شومان، في رده على سؤال بشأن دَور الخطاب الديني والفتوى الرشيدة في بناء الأمن المجتمعي، أن الفتوى تسهم إسهامًا كبيرًا في استقرار الأمن الفكري والمجتمعي، وترسيخ مفهوم المواطنة والانتماء إلى الوطن، مشددًا على أن الوطن يمثل أساس بناء شخصية الإنسان وقيمته وكرامته، وأن الإنسان بلا وطن يصبح بلا هوية ولا قيمة.. وأن الخلط بين مفهوم الوطن والسياسة يمثل خطأً شائعًا، وأن الوطن كيان جامع، والحاكم نفسه مواطن، وأن اعتبار الانتماء الوطني حديثًا سياسيًّا هو فهم مغلوط؛ لأن الوطن أكبر من السياسة، وهو إطار لبناء الشخصية الإنسانية.
وحول كيفية معالجة الشريعة الإسلامية لمفهوم المواطنة، أشار إلى أن ذلك ينطلق من كتاب الله وسنة رسوله، مستشهدًا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حيث كانت المدينة تضم قبائل يهودية، فعمل النبي على الإصلاح بين الأوس والخزرج، وسعى إلى دمج الجميع في نسيج مجتمعي واحد، وعقد معهم معاهدات أمان وسلام، وأسس وثيقة المدينة المنورة التي تُعد أول دستور في التاريخ، إذ أرست أُسس العلاقات الاجتماعية ومفهوم الوطن، ولم تصل البشرية إلى مستوًى أرقى منها حتى اليوم.
كذلك تحدث عن خطورة الفتوى، مؤكدًا أنها صناعة دقيقة لا يتقنها إلا من ترسخ في علوم الشريعة، محذرًا من التجرؤ على الفتوى دون علم، في حين أن الفتوى المنضبطة تصلح حال الفرد والمجتمع، موضحًا أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة لا تعترف بمفهوم الوطن ولا المواطنة، وأنها فرق ضالة تسقى من معين واحد.
وفي سياق آخر أشار الدكتور عباس شومان إلى وجود فجوة بين الشباب والمؤسسات، نتيجة الارتباط المفرط بالتكنولوجيا، وما تحمله من معلومات دينية مغلوطة، مؤكدًا أن الجماعات المتطرفة سبقت المؤسسات الرسمية في الفضاء الإلكتروني، داعيًا إلى اقتحام مواقع التواصل الاجتماعي بأداء مؤسسي منضبط، وتبنِّي فقه المقاصد والنظر إلى مآلات الفتوى.
وفي رده على سؤال عن مدى قيام المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية بدورها في تعزيز قيمة الانتماء والوصول إلى الشباب، أوضح أن الحقيقة تقتضي الإقرار بأن المؤسسات الدينية تبذل جهودًا كبيرة في هذا المجال، مشيرًا إلى أن التعليم الأزهري يولي اهتمامًا واضحًا بمسألة الانتماء إلى الوطن، وأن الوعاظ يجوبون مختلف محافظات الجمهورية لترسيخ قيم الوطن والمواطنة في وجدان المواطنين، وأن هذه الجهود، على أهميتها، يعكر صفوها واقع ارتباط الشباب المتزايد بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة، التي تزخر بكثير من المعلومات الدينية الخاطئة، حيث لم يعد الشاب قادرًا على التمييز بين المصدر الموثوق وغير الموثوق، وقد يبحث عن فتوى عبر الإنترنت فيظهر له أي حديث أو رأي فيتعامل معه على أنه فتوى صحيحة، دون الرجوع إلى عالم معتبر أو مؤسسة دينية معتمدة.
وأكد أن هذا الواقع جعل الفضاء الإلكتروني ساحة مفتوحة تنشط فيها الجماعات المتطرفة، التي سبقت المؤسسات الرسمية بوقت طويل، مستغلة قدرتها على تشويه وعي الشباب وثقافتهم الدينية.. مشيرًا إلى أن الجهود المؤسسية القائمة تتأثر سلبًا بهذا الأداء المنحرف في الفضاء الرقمي، ومشددًا على أن الحاجة باتت مُلِحَّة لاقتحام مواقع التواصل الاجتماعي بأداء مؤسسي منظم ومؤثر؛ لأن الحضور الفاعل للمؤسسات الدينية في هذه المساحات كفيل بإحداث تغيير حقيقي في وعي الشباب وتصحيح مسار التلقي لديهم.
ونبَّه رئيس منظمة خريجي الأزهر ، على أهمية تبنِّي فقه المقاصد باعتباره إطارًا حاكمًا لحياة المسلمين، موضحًا أن النظر إلى الفتوى وما يترتب عليها من آثار ومآلات يمثل الطريق الصحيح للأداء الإفتائي الرشيد، وأن الفتوى قد تختلف من شخص إلى آخر تبعًا لاختلاف الواقع ومراعاة المقاصد ومآلات الأحكام، وأن كثيرًا مما يطرحه المتطفلون على موائد الفتوى لا يصح وصفه بفتوى من الأساس، وإنما هو أقوال باطلة تفتقر إلى الضوابط العلمية.
وأشار فضيلته إلى وجود فهم خاطئ لدى بعض الناس يقوم على الفصل بين الحكم الشرعي والأمور القانونية، مؤكدًا أن تطور العصور أفرز أنظمة وقوانين لمواجهة الاختلالات المجتمعية، وأن ما تسنه الدولة من قوانين لتنظيم شؤون المجتمع هو في قوة النصوص الشرعية، لأن هذه القوانين يستمدها المختصون من مقاصد الشريعة وأحكامها الكلية، وبما يحقق المصلحة العامة ويحفظ استقرار المجتمع.





