اخبارحوار خاص

د. رضا عبد الواجد أمين عميد إعلام بنين الأزهر: الوعي هو السلاح الأقوى لمواجهة الشائعات والتطرف الرقمي

دعم الرئيس السيسي لبناء الإنسان يعزز رسالة الإعلام الوطني والمسؤولية مشتركة بين المؤسسات الوطنية

المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تؤدي دورًا محوريًّا في مواجهة الفكر المتطرف

الذكاء الاصطناعي يغير خريطة الإعلام.. لكن القيم الإنسانية ستظل أساس الرسالة الإعلامية

الإعلام في عصر التحولات الكبرى يحتاج إلى مهنية عالية وضمير وطني واعٍ

بعض المنصات والبرامج الإعلامية تجعل “الترند” هدفها الأول على حساب المهنية والقيم والمصلحة العامة

رسالة الأزهر لا تتوقف عند التعليم.. بل تمتد لصناعة الوعي وحماية المجتمعات

حوار- محمد رأفت فرج:

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، تتعاظم مسؤولية المؤسسات الأكاديمية، في إعداد كوادر إعلامية تمتلك أدوات العصر، وتتمسك في الوقت نفسه بالقيم المهنية والأخلاقية.

وتبرز كلية الإعلام بجامعة الأزهر، باعتبارها إحدى المؤسسات التي تسعى إلى تخريج إعلاميين يجمعون بين الكفاءة العلمية، والوعي الفكري، والالتزام برسالة الإعلام.

في هذا الحوار، يتحدث الدكتور رضا عبد الواجد أمين، عميد كلية الإعلام بنين بجامعة الأزهر، عن مستقبل الإعلام في ظل الذكاء الاصطناعي، ودور الكلية في إعداد إعلاميين قادرين على مواجهة الشائعات والمحتوى المضلل، ومجابهة الفكر المتطرف، كما يكشف رؤيته لتطوير التعليم الإعلامي، ويقدم رسالة مهمة إلى طلاب الإعلام، والشباب المقبلين على العمل في المهنة.

بداية كيف ترى المشهد الصحفي والإعلامي في ظل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

الحقيقة أن المشهد الإعلامي اليوم أصبح شديد التعقيد والتشابك، ويشهد تغيرات متسارعة على مختلف المستويات، وإذا تأملنا مسيرة التطور الإنساني، سنجد أن الإعلام كان دائمًا أحد أبرز المؤشرات على هذا التطور، بل إن كل مرحلة تاريخية ارتبطت بتحول في أدوات الاتصال، ووسائل نقل المعرفة، فقبل سنوات كنا نصف واقعنا بأنه عصر منصات التواصل الاجتماعي، أما اليوم فقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي حاضرة بقوة في مختلف جوانب الحياة، إلى الحد الذي يمكن معه القول: إننا نعيش بالفعل عصر الذكاء الاصطناعي، والإعلام بطبيعته مجال ديناميكي؛ فهو يؤثر في المجتمع ويتأثر به في الوقت نفسه، ويتفاعل مع التطورات التقنية والتكنولوجية، كما يتفاعل مع المتغيرات الثقافية والفكرية، فهو يسهم في تشكيل الوعي والثقافة، وفي المقابل تؤثر البيئة الثقافية في صناعة الرسالة الإعلامية ومحتواها.

وماذا عن مستقبل الإعلام؟

أما مستقبل الإعلام، فأرى أن الحاجة إليه ستظل قائمة ما بقي الإنسان؛ لأن الناس بطبيعتهم لديهم رغبة دائمة في معرفة ما يدور حولهم من أحداث، ومتابعة الأخبار، وفهم التحليلات والتفسيرات.

ما سيتغير ليس الحاجة إلى الإعلام، وإنما الأدوات والوسائل التي تُنتج بها الرسالة الإعلامية، وتُقدَّم للجمهور، ولا شك أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستُحدث ثورة حقيقية في صناعة الإعلام بجميع أشكاله: المكتوب، والمسموع، والمرئي، من خلال تسريع إنتاج المحتوى، وتحليل البيانات، وتخصيص الرسائل الإعلامية، وابتكار أساليب جديدة للتواصل مع الجمهور.

هل ترى أن الذكاء الاصطناعي في الإعلام سيحل محل العنصر البشري؟

سيظل العنصر البشري هو الأساس في بناء الرسالة الإعلامية، لأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل أداة مساعدة، بينما تبقى الرؤية المهنية، والقدرة على التحليل، والالتزام بالمعايير الأخلاقية، والمسؤولية المجتمعية، من المهام التي لا غنى فيها عن الإنسان، ومن ثم فإن مستقبل الإعلام سيكون قائمًا على التكامل بين الخبرة البشرية، والتقنيات الذكية، لا على إحلال أحدهما محل الآخر.

هل ستقوم الوسائل الحديثة بالقضاء على الوسائل الأخرى مثل: الراديو والتليفزيون والصحافة الورقية؟

يمكن القول إن وسائل الاتصال الحديثة لم تُلغِ الوسائل التي سبقتها، بل أصبحت شريكًا لها في المشهد الإعلامي، فالتاريخ يؤكد أن كل وسيلة إعلامية جديدة، كانت تقابل بتوقعات تؤكد أنها ستقضي على الوسائل الأقدم، فعندما ظهر الراديو، قيل: إنه سيُنهي عصر الصحافة، وعندما ظهر التلفزيون، توقع كثيرون أن يزيح الصحافة والراديو معًا، لكن الواقع أثبت عكس ذلك؛ فحتى اليوم لا تزال الصحافة والإذاعة والتلفزيون قائمة وتؤدي أدوارها، رغم الانتشار الواسع للإنترنت والمنصات الرقمية، صحيح أن هذه الوسائل التقليدية تعرضت لتحديات كبيرة، واضطرت إلى إعادة تطوير أدواتها، وأساليب عملها، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكنها لم تختف، واليوم نعيش مرحلة جديدة، يتعايش فيها الإعلام التقليدي مع الإعلام الرقمي، وأصبحت المؤسسات الإعلامية مطالبة بالاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدلًا من النظر إليها باعتبارها منافسًا، فالذكاء الاصطناعي يمكن توظيفه في تحليل البيانات الضخمة، ورصد اتجاهات الرأي العام، وتسريع إنتاج المحتوى، والمساعدة في الترجمة والتحرير، وتقديم محتوى أكثر ملاءمة لاهتمامات الجمهور، غير أن نجاح هذا التوظيف يتطلب ضوابط مهنية وأخلاقية واضحة، تضمن دقة المعلومات، وتحافظ على المصداقية، وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة داعمة للإعلامي، وليس بديلًا عن دوره في التفكير، والتحليل، والتحقق، وصناعة المحتوى المسؤول، فالمستقبل سيكون للإعلام الذي يجمع بين الخبرة البشرية، والاستفادة الواعية من التقنيات الذكية.

وما هي ضوابط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

أود أن أؤكد على أمرين أساسيين، الأول: أننا لسنا ضد استخدام التقنيات الحديثة في تطوير مختلف مجالات الحياة، ومنها بطبيعة الحال مجال الإعلام، بل نحن مع كل تطوير يسهم في خدمة الإنسان والارتقاء بحياته، فالذكاء الاصطناعي في النهاية هو ثمرة للعقل البشري، الذي كرّمه الله تعالى ووهبه القدرة على الإبداع والابتكار، ومن ثم فإن توظيف هذه التقنيات بصورة صحيحة: يعد إضافة حقيقية للعمل الإعلامي.
أما الأمر الثاني: فهو أننا لسنا مع الاستخدام غير المنضبط، أو غير المسؤول، لتقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن أي تقنية، مهما بلغت فوائدها، تحتاج إلى ضوابط تحكم استخدامها، وأرى أن هذه الضوابط تقوم على ثلاثة محاور رئيسة: المهنية، والأخلاقية، والقانونية.

فعلى المستوى المهني، يجب ألا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يخالف قواعد وأخلاقيات العمل الصحفي والإعلامي، مثل إنتاج المحتوى المضلل، أو استخدام تقنيات “التزييف العميق” (Deepfake)، لإظهار أشخاص يقولون أو يفعلون ما لم يحدث في الواقع، أو توظيف تقنيات محاكاة الشخصيات المتوفاة، بما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور، أو تقديم معلومات غير صحيحة على أنها حقائق.

ومن أهم الضوابط المهنية أيضًا: تحقيق الشفافية مع المتلقي، وذلك بالإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وبيان حدود مساهمته فيه، حتى يكون الجمهور على بينة من طبيعة ما يشاهده أو يقرأه، مع التمييز بوضوح بين ما هو من إنتاج العقل البشري، وما تم إنتاجه أو المساهمة فيه بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو أمر أصبح ضرورة مهنية وأكاديمية في كثير من المؤسسات.

أما الضابط الأخلاقي، والقانوني، فهما متلازمان إلى حد كبير؛ لأن من يلتزم بالمعايير المهنية، ينبغي أن يستند كذلك إلى قيم أخلاقية راسخة، فالصدق، والأمانة، واحترام الحقيقة، وعدم تضليل الجمهور، كلها مبادئ إعلامية وأخلاقية في الوقت ذاته.

كما يجب أن يراعي استخدام الذكاء الاصطناعي المصلحة العامة، ويحافظ على الأمن المجتمعي، وألا يكون وسيلة لنشر الشائعات، أو ترويج الأخبار الكاذبة، أو بث الأفكار المتطرفة، وخطابات الكراهية، أو أي محتوى يهدد استقرار المجتمع، أو يضر بالأمن القومي، فالمطلوب هو توظيف هذه التقنيات لخدمة الحقيقة، وتعزيز الوعي، ودعم التنمية، لا تحويلها إلى أدوات للتضليل، أو إثارة الفوضى، لذلك فإن مستقبل الإعلام مع الذكاء الاصطناعي، لا يتوقف على تطور التقنية وحدها، وإنما على مدى قدرتنا على توظيفها في إطار من المسؤولية المهنية، والالتزام الأخلاقي، والضوابط القانونية، التي تضمن تحقيق المصلحة العامة، وصون ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.

بعض الجماعات المتطرفة تستهدف زعزعة استقرار المجتمعات من خلال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في نشر الأفكار المتطرفة كيف يمكن للإعلام مواجهتها؟

أعتقد أن هذا سؤال بالغ الأهمية، خاصة في ظل ما نشهده من استغلال بعض الجماعات المتطرفة، المدعومة أحيانًا من جهات ودول تستهدف زعزعة استقرار المجتمعات، لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، في نشر الأفكار المتطرفة، والشائعات، والمعلومات المضللة، ومن هنا تأتي أهمية إعداد الإعلامي إعدادًا متكاملًا، وهو ما نحرص عليه في كلية الإعلام بجامعة الأزهر، فالمؤسسات الأكاديمية بطبيعتها تُعنى بتزويد الطالب بالمعارف والمهارات اللازمة لممارسة العمل الإعلامي، لكننا في إعلام الأزهر نضيف إلى ذلك ركيزة ثالثة، لا تقل أهمية، وهي منظومة القيم والأخلاق، ونحن نؤمن بأن الإعلامي الناجح لا يكفي أن يمتلك المعرفة النظرية، أو المهارة المهنية في الكتابة، والإعداد، والتصوير، والمونتاج، والإخراج، وإنما يجب أن يتحلى أيضًا بالمسؤولية الأخلاقية، والوعي برسالته تجاه المجتمع، ويتميز طالب الأزهر بأنه يأتي وقد تلقى قدرًا كبيرًا من العلوم الشرعية والعربية وفق المنهج الأزهري، القائم على الوسطية والاعتدال، ثم يضيف إلى ذلك: العلوم الإعلامية الحديثة، والمهارات المهنية المتطورة، فيتخرج وهو يجمع بين العلم، والمهارة، والقيم، وهي منظومة متكاملة، تؤهله للتعامل الواعي مع تحديات العصر، وفي مقدمتها إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي.

ومواجهة المحتوى المتطرف أو المضلل، لا تكون بالتقنية وحدها، وإنما تبدأ ببناء الإنسان القادر على التمييز بين الحق والباطل، والالتزام بالصدق، واحترام الحقيقة، وتقديم المصلحة العامة على أي مكاسب شخصية.

فالإعلامي الذي يتجرد من القيم، قد يمتلك أدوات التأثير، لكنه يصبح أكثر عرضة لتوظيفها فيما يضر المجتمع، وهو ما يمثل خطرًا بالغًا على الأمن الفكري والثقافي، لذلك فإننا نرى أن بناء الإعلام القيمي هو أحد أهم خطوط الدفاع في مواجهة التطرف الرقمي، وأن الإعلام المسؤول، يظل الحصن الأقوى في مواجهة حملات التضليل والشائعات، مهما تطورت أدواتها أو تقنياتها، فالأخلاق ليست قيمة إضافية في العمل الإعلامي، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه المهنة، والضمان الحقيقي لأن يكون الإعلام وسيلة لبناء الوعي، لا أداة لهدم المجتمعات.

في ظل التحديات الراهنة، كيف يمكن تأهيل وتطوير الخطاب الإعلامي الديني ليكون أكثر تأثيرًا في الشباب؟

هذا سؤال مهم؛ لأن الإعلام الديني يُعد أحد فروع الإعلام المتخصص، وهو من أكثر المجالات أهمية، نظرًا لارتباطه بحياة الناس جميعًا، وحرصهم على معرفة أمور دينهم، وحدود علاقتهم بالله سبحانه وتعالى، ومن ثم، فإن تطوير الخطاب الإعلامي الديني أصبح ضرورة، حتى يكون أكثر قدرة على الوصول إلى الشباب، والتأثير فيهم، فهناك عدة إشكاليات تواجه هذا المجال، أولها: يتعلق بظروف إنتاج الرسالة الإعلامية الدينية، التي لا تكون في كثير من الأحيان مناسبة لطبيعة الجمهور المستهدف، فعلى سبيل المثال، عندما يُسجل برنامج مع أحد علماء الأزهر، قد يُكتفى باستخدام كاميرا واحدة، وصورة ثابتة، وهو ما يقلل من جاذبية المحتوى ويضعف تأثيره، رغم قيمة المضمون العلمي الذي يقدمه العالم أو الداعية.

ولذلك، فإن إنتاج البرامج الدينية ينبغي أن يواكب أحدث الأساليب الإعلامية، وأن يجمع بين جودة المضمون، وجاذبية الشكل؛ لأن نجاح الرسالة الإعلامية لا يتحقق إلا بتكامل هذين العنصرين، فالمحتوى القوي وحده لا يكفي إذا قُدم بطريقة تقليدية، كما أن الشكل الجذاب، لا يغني عن مضمون علمي رصين.

وما هو دور علماء الأزهر في هذه المنظومة الإعلامية؟

الحقيقة، أن الأزهر الشريف يزخر بعلماء أجلاء، يمتلكون علمًا غزيرًا، ومنهجًا وسطيًّا راسخًا، كما يضم عددًا من الأصوات الإعلامية المتميزة، لكن المطلوب، هو توظيف هذا الرصيد العلمي في قوالب إعلامية حديثة، تتوافق مع طبيعة العصر، وتستند إلى الدراسات العلمية في مجال الاتصال والإعلام، كما ينبغي أن نُدرك أن مستخدمي الإعلام الرقمي، وخاصة الشباب، لم يعد لديهم الوقت لمتابعة المحتوى الطويل، بل أصبحت ثقافة المحتوى القصير والسريع هي السائدة، ومن هنا، يجب تصميم الرسائل الدعوية والإعلامية بصورة مختصرة وجذابة، تقدم الفكرة بوضوح في وقت قصير، مع الحفاظ على دقة المعلومة وعمقها، بما يضمن وصولها إلى أكبر عدد من المتلقين، وتحقيق التأثير المنشود.
أما من حيث المنهج، فإن الأزهر الشريف يمتلك بفضل الله علماء أفاضل، ينتمون إلى مدرسة الوسطية والاعتدال، ولديهم كنوز من العلم والمعرفة، ويستطيعون مخاطبة مختلف الفئات، إذا قُدمت رسالتهم عبر وسائل إعلامية حديثة، تواكب تطورات العصر، وتلبي احتياجات الجمهور.

هل توجد فجوة بين ضعف الثقافة الدينية لدى الشباب وبين طبيعة المحتوى الديني المبسط “الريلز” وغيره، والذي يُقدم عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل؟

علينا أولًا أن ننتبه إلى أن تبسيط الخطاب الديني لا يعني اختزاله، أو تحويله إلى رسائل سريعة ومعلبة، تُفقده عمقه، فالدين يحتاج إلى بيان وتفصيل، وفق ما تقتضيه طبيعة الموضوع والجمهور، ولا يكفي أحيانًا الاكتفاء بكلمات قليلة ثم الانصراف، لأن بناء الوعي الديني يحتاج إلى شرح وتفاعل وحوار.

ولو عدنا إلى المعلم الأول، سيدنا محمد ﷺ، لوجدنا أنه قدّم النموذج الأمثل في التواصل مع الناس، فلم يكن يكتفي بإلقاء المعلومة مباشرة، وإنما كان يعتمد على التفاعل، وإشراك المستمعين في التفكير، بما يضمن وصول الرسالة إلى عقولهم وقلوبهم، ومن ذلك قوله ﷺ: «أتدرون من المفلس؟»، فبدأ بالسؤال، ليحفز الصحابة على التفكير والمشاركة، ثم استمع إلى إجاباتهم، قبل أن يبين المعنى الحقيقي للمفلس، وكان بإمكانه أن يذكر الإجابة مباشرة، لكنه أراد أن يجعلهم شركاء في الوصول إليها، لأن هذا الأسلوب أكثر تأثيرًا وأعمق أثرًا في النفس، كما استخدم النبي ﷺ وسائل إيضاح تناسب عصره؛ فكان يرسم خطوطًا على الأرض ليقرب المعاني، ويضرب الأمثال، ويستعين بالأسئلة والحوار، ويوظف كل وسيلة تحقق الفهم والتأثير، وهذا يؤكد أن الداعية في كل زمان مطالب باستخدام أدوات عصره، ما دامت تحقق المقصود، وتحافظ على قواعد الدين.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم من صناع الخطاب الديني، ومنتجي المحتوى الإعلامي، أن يستلهموا هذا المنهج النبوي، وأن يقدموا الرسالة الدينية في قوالب إعلامية حديثة، تتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية، وتجمع بين عمق المضمون، وجاذبية العرض، فالفضاء الرقمي اليوم يعج بملايين المقاطع المرئية، والرسائل الإعلامية المتنافسة على جذب انتباه الجمهور، ولا سيما الشباب، ولذلك لا بد أن يُنتج الخطاب الدعوي باستخدام أدوات العصر وأساليبه الحديثة، مع الحفاظ على أصالة المضمون وصحته، حتى يظل قادرًا على المنافسة والتأثير، ويصل برسالته إلى أكبر شريحة ممكنة من المتلقين.

كيف يمكن مواجهة ظاهرة فوضى الفتاوى وتضاربها في وسائل الإعلام، خاصة مع استضافة غير المتخصصين للحديث في أمور الإفتاء رغم وجود ضوابط وقوانين؟

هذه القضية من أخطر القضايا التي تواجه الإعلام الديني في الوقت الراهن، والحقيقة أن هناك جهودًا كبيرة بُذلت في هذا المجال؛ فقد عُقدت مؤتمرات، وورش عمل متخصصة، وشاركت شخصيًّا في بعضها، بحضور علماء الدين، والصحفيين، والإعلاميين، بهدف وضع ضوابط واضحة للتعامل مع الفتوى في وسائل الإعلام.

وقد وُضعت بالفعل أطر قانونية تُلزم بأن يتصدر للفتوى المتخصصون المؤهلون علميًّا، فمن غير المقبول أن نسمح لشخص غير مؤهل بممارسة مهنة الطب، وكذلك لا يجوز أن نسمح لغير المؤهلين علميًّا وشرعيًّا بالتصدر للإفتاء؛ لأن الفتوى مسؤولية عظيمة، وتمس دين الناس واستقرار المجتمع.
وتبذل المؤسسات الدينية الرسمية في مصر، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، من خلال أكاديمية الأزهر العالمية للتدريب، ودار الإفتاء المصرية، ووزارة الأوقاف، جهودًا كبيرة لتنظيم هذا المجال، وتأهيل المتخصصين، ووضع المعايير المهنية والعلمية اللازمة لمن يتصدى للإفتاء، ومع ذلك، فإن السيطرة الكاملة على هذا الملف ليست بالأمر السهل، لأن الفضاء الرقمي تجاوز الحدود الجغرافية، وقد تصدر الفتوى من خارج البلاد عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعل المتابعة أو المساءلة القانونية أكثر تعقيدًا، ويمكن في بعض الحالات: الحد من انتشار هذا المحتوى، أو اتخاذ إجراءات ضده، لكن القضاء عليه بصورة كاملة يظل تحديًّا عالميًّا.
ومن هنا، فإن الحاجة تزداد إلى تطبيق ضوابط حاكمة وصارمة، على من يتصدر للفتوى عبر وسائل الإعلام، مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الرجوع إلى المؤسسات الدينية الرسمية، والعلماء المؤهلين، حفاظًا على استقرار المجتمع، وصيانةً للدين من العبث والتوظيف الخاطئ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من خطورة تصدر غير المؤهلين للفتوى، فقال: «حتى إذا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، وهو توجيه نبوي يؤكد أن الفتوى لا تكون إلا لأهل العلم والاختصاص.

وكيف تنظرون إلى بعض البرامج والمناظرات التي تقوم على المواجهات المباشرة ورفع الأصوات وإثارة الجدل لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة؟

للأسف، أصبحت بعض المنصات، والبرامج الإعلامية، تجعل تحقيق نسب المشاهدة، واعتلاء قوائم “الترند”، هدفها الأول، حتى وإن كان ذلك على حساب المهنية، أو القيم، أو المصلحة العامة، وهذه الثقافة أضرت بالإعلام في جوانب كثيرة، لأنها دفعت بعض القائمين على المحتوى إلى البحث عن الإثارة والجدل، بدلاً من تقديم ما ينفع الناس، فالإعلام الذي يقوم على الصراخ، وإثارة الخلافات، واستضافة أصحاب الآراء المتطرفة أو الشاذة، من أجل خلق حالة من الجدل، لا يؤدي رسالته الحقيقية، وإنما يسعى إلى تحقيق شهرة زائفة، وزيادة أعداد المشاهدات والتفاعلات، التي تتحول في النهاية إلى مكاسب مادية، أو أرقام على المنصات الرقمية.
لكن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات فقط، وإنما يقاس بقدر ما يتركه من أثر إيجابي في المجتمع، وبما يقدمه من معرفة صحيحة، وقيم نافعة، تسهم في بناء الوعي، ولذلك أستحضر قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، فالزبد قد يبدو لافتًا وجذابًا في ظاهره، لكنه سرعان ما يزول، أما ما ينفع الناس فهو الذي يبقى ويترك أثرًا حقيقيًّا، ومن هنا، فإن على كل إعلامي أن يدرك أن عمله ليس مجرد وظيفة، بل هو رسالة ومسؤولية وأمانة، وقبل أن ينشر أي محتوى، أو يقدم أي رسالة إعلامية، ينبغي أن يسأل نفسه: هل ما أقدمه ينفع الناس، ويخدم المجتمع، أم أنه مجرد مادة مثيرة، تحقق انتشارًا مؤقتًا ثم تزول دون أثر، فالإعلام الهادف هو الذي يوازن بين الجاذبية والمهنية، وبين حق الجمهور في المعرفة، وواجب الحفاظ على القيم، ويضع خدمة الإنسان وبناء وعيه فوق اعتبارات الشهرة السريعة، أو المكاسب الآنية.

كيف تقيّمون دور المنظمة العالمية لخريجي الأزهر في مواجهة الأفكار المتطرفة، سواء من خلال فروعها داخل مصر وخارجها أو عبر برامج تدريب الأئمة والدعاة بالتعاون مع المؤسسات الأزهرية؟

أرى أن المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، تقوم بدور بالغ الأهمية في مواجهة الفكر المتطرف، وفي تنقية الثقافة الدينية من كثير من المفاهيم المغلوطة، والشوائب التي تحاول بعض الجماعات المتشددة ترسيخها في المجتمعات.
ومن يتابع أنشطة المنظمة، يدرك أنها تنطلق من منهج الأزهر الشريف، القائم على الوسطية والاعتدال، وتسعى إلى نشر الفكر المستنير، وترسيخ قيم التعايش والسلام، ومواجهة الأفكار المنحرفة بالحجة والعلم والحوار.
وقد تشرفت شخصيًّا بالمشاركة في عدد من برامج وأنشطة المنظمة، ولمست حجم الجهود التي تبذلها في تأهيل الدعاة والأئمة، داخل مصر وخارجها، بالتعاون مع المؤسسات الأزهرية المختلفة، بما يسهم في إعداد كوادر دعوية، قادرة على مخاطبة المجتمعات بلغاتها وثقافاتها المختلفة، ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة،
وتؤدي المنظمة، باعتبارها إحدى الهيئات التابعة للأزهر الشريف، دورًا مهمًّا في امتداد رسالة الأزهر العالمية، التي تقوم على نشر ثقافة الوسطية والاعتدال، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز الوعي الديني الرشيد، ليس في مصر فحسب، وإنما في مختلف دول العالم، من خلال شبكة واسعة من الفروع والخريجين، الذين يحملون رسالة الأزهر إلى مختلف الشعوب والمجتمعات.

كيف يمكن استعادة ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، خاصة في ظل التحديات التي يشهدها المشهد الإعلامي اليوم؟

في تقديري، فإن استعادة ثقة الجمهور في وسائل الإعلام تتلخص في مبدأ أساسي، وهو تقديم محتوى احترافي، يتمتع بأعلى درجات المصداقية، فالجمهور أصبح أكثر وعيًّا وقدرة على التمييز بين المحتوى الجاد، والمحتوى الذي يقوم على الإثارة أو التضليل، ولذلك فإن المصداقية تظل رأس مال الإعلام الحقيقي، وإذا نجح الإعلامي في تقديم محتوى مهني ينفع الناس، ويتسم بالدقة والموضوعية، ويتجرد من الأهواء والانحيازات، فإنه سيكون قادرًا على استعادة ثقة الجمهور، وتعزيز حضوره وتأثيره.
وفيما يتعلق بالإعلام الديني، فإن الأمر يزداد أهمية، إذ ينبغي أن يستند المحتوى إلى صحيح الدين، وأن يُقدَّم من خلال المتخصصين، مع الالتزام بالمنهج الوسطي الذي يميز الأزهر الشريف، وبما يحافظ على القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع، كما يجب أن يراعي الإعلام منظومة القيم السائدة، وأن يسهم في تعزيز الوعي المجتمعي، وأن يضع المصلحة العامة والأمن القومي في مقدمة أولوياته، بعيدًا عن السعي وراء الإثارة، أو تحقيق الانتشار على حساب الحقيقة.
وعندما يجتمع الاحتراف المهني مع المصداقية، والالتزام بالقيم، واحترام عقل المتلقي، يصبح الإعلام أكثر تأثيرًا وفاعلية، ويستعيد ثقة الجمهور ومتابعته، ويؤدي رسالته في خدمة المجتمع على الوجه الذي ينبغي.

في إطار رؤية الدولة المصرية لتطوير الإعلام، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى فتح مساحة أوسع للإعلام وعقد مؤتمر سنوي لمناقشة قضايا الإعلام، كيف تنظرون إلى هذه الدعوة؟

أرى أن هذه خطوة إيجابية للغاية، وتعكس حجم اهتمام الدولة المصرية بملف الإعلام، باعتباره أحد أهم المجالات المؤثرة في تشكيل الرأي العام، وبناء الوعي، وتوجيه المجتمع نحو القضايا الوطنية الكبرى، حيث إن اعتبار الإعلام أولوية في أجندة الدولة، يؤكد إدراكها للدور المحوري الذي يقوم به في مواجهة التحديات، وترسيخ الوعي، وتعزيز الانتماء الوطني، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجال الإعلام الرقمي.
كما أن الدعوة إلى فتح مساحة أوسع للحوار الإعلامي، وإتاحة المجال لعرض الرأي والرأي الآخر، تمثل أحد المبادئ الأساسية للعمل الإعلامي المهني. فالإعلام الحقيقي يقوم على تعدد الآراء، وطرح مختلف وجهات النظر، بما يسهم في إثراء النقاش العام، والوصول إلى الحقيقة، غير أن حرية الرأي لا تعني غياب الضوابط، بل يجب أن تمارس في إطار من المسؤولية المهنية والأخلاقية، فلا يجوز أن تتحول المنافسة الإعلامية إلى سباق وراء “الترند”، أو الإثارة، أو أن تكون على حساب الحقيقة والمصلحة العامة، ومن ثم، فإن الالتزام بالضوابط المهنية والقانونية والقيمية، يظل شرطًا أساسيًّا لنجاح أي تجربة إعلامية، فلا يصح نشر الأخبار الكاذبة، أو التشهير بالأفراد والمؤسسات، أو تداول المقاطع المفبركة، أو توظيف الإعلام للإساءة إلى الأشخاص، أو الكيانات، أو الدول، لأن مثل هذه الممارسات تهدد مصداقية الإعلام، وتضر باستقرار المجتمع.
إن المطلوب هو إعلام حر ومسؤول في آن واحد؛ إعلام يتيح مساحة للرأي والرأي الآخر، ويشجع الحوار البناء، لكنه يلتزم في الوقت نفسه بالصدق، والمهنية، واحترام القانون، والحفاظ على القيم، ومراعاة المصلحة العليا للوطن، وعندما تتحقق هذه المعادلة، يصبح الإعلام شريكًا حقيقيًّا في بناء الوعي، ودعم مسيرة التنمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Metode pembayaran situs toto dan penarikannya juga terbilang cepat dan aman.

sekolahtoto