
المنظمة العالمية لخريجي الأزهر امتداد طبيعي لرسالة الأزهر في العالم
نجاح كلية الوافدين يقاس بما يصنعه خريجوها من أثر في مجتمعاتهم
الأزهر يوحّد المنهج ولا يلغي التنوع، ويجمع القلوب ولا يمحو الهُويات
تمكين المرأة في مواقع القيادة الأزهرية رسالة تؤكد أن الكفاءة أساس المسؤولية
خريجو الأزهر خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف وتصحيح المفاهيم المغلوطة
حوار: محمد رأفت فرج.
يواصل الأزهر الشريف أداء رسالته العالمية في إعداد أجيال من الخريجين، يحملون العلم والوسطية إلى هذا العالم، ويأتي الطلاب الوافدون في صدارة هذه الرسالة؛ فهم سفراء الأزهر في أوطانهم، وجسور التواصل الحضاري بين الشعوب، وفي هذا الحوار، نفتح مع الدكتورة نهلة الصعيدي، عميد كلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين، ومستشار فضيلة الإمام الأكبر لشؤون الطلاب الوافدين، ملفات مهمة، تتعلق ببناء شخصية الطالب الوافد، ورعاية الأزهر العلمية والإنسانية له، ودور خريجيه في مواجهة التطرف، ومستقبل رسالة الأزهر في عصر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحديث عن تمكين المرأة في العمل الأكاديمي والدعوي، ورؤية الأزهر في إعداد قيادات علمية قادرة على نشر قيم الاعتدال والسلام في العالم.
>> بداية .. كيف يسهم الأزهر في بناء شخصية الطالب الوافد إلى جانب تأهيله علميًّا؟
الأزهر لا يتعامل مع الطالب الوافد بوصفه طالبًا يريد أن يحصل على شهادة، وإنما يتعامل معه بوصفه إنسانًا سيعود يومًا إلى مجتمعه حاملًا علمًا ومنهجًا ورسالة؛ ولذلك فالتأهيل الأزهري يجمع بين بناء العقل، وتزكية النفس، وتكوين الشخصية.
نحن نريد للطالب أن يتخرج وهو قادر على الفهم قبل الحكم، وعلى الحوار قبل الخصومة، وعلى التمييز بين الثابت والمتغير، وبين جوهر الدين وصور التدين التي قد تلتبس به، والأزهر يعلّم الطالب العلوم الشرعية والعربية، لكنه في الوقت نفسه يربي فيه أدب الاختلاف، واحترام الإنسان، والقدرة على التواصل مع الآخر، والاعتزاز بالهوية دون انغلاق، وهذه في تقديري هي قيمة التعليم الأزهري الكبرى: أنه يصنع خريجا صاحب عقل وبصيرة ورسالة.
>> كيف يحافظ الطالب الوافد على هويته الوطنية مع اكتسابه المنهج الأزهري الوسطي؟
الأزهر لا يطلب من الطالب أن يخلع هويته عند بوابة الجامعة، بل على العكس، نحن نؤمن أن الإنسان الأقوى في عطائه، هو الإنسان الذي يعرف من هو، ومن أين جاء، وما جذوره، فالمنهج الأزهري لا يصنع نسخة واحدة من الطلاب، وإنما يمنحهم منهجًا واحدًا في التفكير، مع بقاء تنوعهم الثقافي والحضاري.
فالطالب يأتي إلى الأزهر بلغته وثقافته وتاريخه، ويتعلم في الأزهر كيف يقرأ دينه قراءة صحيحة، وكيف يحافظ على خصوصية وطنه، وكيف ينفتح في الوقت نفسه على العالم، ولهذا أقول دائمًا: الأزهر يوحّد المنهج ولا يلغي التنوع، ويجمع القلوب ولا يمحو الهويات.
>> ما أبرز التحديات التي تواجه الطلاب الوافدين، وكيف يعمل الأزهر على تجاوزها؟
تجربة الطالب الوافد: تجربة ثرية، لكنها تحمل تحديات متعددة؛ منها تحديات اللغة، والاختلاف الثقافي، والبعد عن الأسرة والوطن، والتكيف مع بيئة جديدة، إلى جانب التحديات الأكاديمية والنفسية والاجتماعية، والتعامل معها يحتاج إلى رؤية متكاملة؛ لأن الطالب لا يمكن أن يكون متفوقًا علميًّا إذا كان يشعر بالغربة أو العزلة.
ومن هنا تأتي أهمية منظومة الرعاية التي يقدمها الأزهر، والتي تقوم على أن الطالب أمانة علمية وإنسانية، فنحن نعمل على دعمه في مسيرته التعليمية، ومساعدته على الاندماج في البيئة الجديدة، وتوفير المناخ الذي يشعر فيه أنه بين أهله، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية والوطنية.
>> بصفتكم مستشارة لفضيلة الإمام الأكبر لشؤون الوافدين.. ما أبرز الجهود التي يقدمها الأزهر لرعاية الطلاب الوافدين علميًّا وإنسانيًّا؟
رسالة الأزهر تجاه الوافدين تقوم على ركيزتين متلازمتين: العلم والإنسان، فنحن نهتم بتوفير التعليم الأزهري الرصين، ودعم الطلاب في مسيرتهم الأكاديمية، وتأهيلهم بما يتناسب مع احتياجات مجتمعاتهم، وفي الوقت نفسه نولي الجانب الإنساني عناية كبيرة.
فالوافد ليس رقمًا في سجل الطلاب، وإنما هو ابن للأزهر، ويمثل وطنه وثقافته، وقد يكون بعد سنوات أحد الأصوات التي تتحدث عن الأزهر في بلده؛ ولهذا فإن رعاية الوافدين بالنسبة لنا ليست خدمة طلابية فحسب، وإنما استثمار في رسالة الأزهر العالمية، ومستقبل التواصل الحضاري بين الشعوب.
>> كيف ترون مستقبل رسالة الأزهر العالمية في ظل المتغيرات الفكرية والتكنولوجية المتسارعة؟
أرى أن المستقبل لا يضعف رسالة الأزهر، وإنما يجعل الحاجة إليها أكبر، بشرط أن نحسن الوصول إلى الإنسان بلغة العصر وأدواته، فالتحدي اليوم ليس في وفرة المعلومات، وإنما في القدرة على فرز المعلومات، وبناء العقل الذي يحسن التعامل معها؛ ولهذا فإن الأزهر أمام مسؤولية تاريخية، وهي: أن يحافظ على أصوله العلمية الراسخة، وأن يطور أدواته في التعليم والتواصل الرقمي والبحث العلمي، وأن يدخل إلى مساحات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا من موقع الفاعل لا المتلقي، فرسالة الأزهر في جوهرها ثابتة، لكن أدوات الوصول إلى الإنسان تتغير، والثابت يحتاج إلى أدوات متجددة حتى يبقى حاضرًا في حياة الناس.
>> كيف ينعكس المنهج الأزهري الوسطي على أداء خريجي الكلية في مجتمعاتهم؟
الخريج الأزهري يحمل إلى مجتمعه أكثر من شهادة؛ يحمل منهجًا في النظر إلى الإنسان والحياة والدين، وعندما يتخرج الطالب من كلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين، فإننا نطمح أن يكون قادرًا على تقديم العلم بلغة يفهمها الناس، وأن يربط بين النص والواقع، وأن يعالج القضايا بعلم واتزان.
فالمنهج الوسطي يظهر في طريقة الخريج في الفتوى والتعليم والخطاب والحوار، وفي قدرته على التعامل مع الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع؛ ولهذا فإن نجاحنا الحقيقي لا نقيسه فقط بعدد الخريجين، وإنما بما يحدثه هؤلاء الخريجون من أثر معرفي وأخلاقي وحضاري في مجتمعاتهم.
>> كيف يسهم الطلاب الوافدون بعد عودتهم إلى بلدانهم في مواجهة التطرف وتصحيح المفاهيم المغلوطة؟
الطالب الوافد الذي درس في الأزهر يعود إلى وطنه وهو يحمل تجربة علمية وفكرية ممتدة، وهذه التجربة تمنحه قدرة على تصحيح كثير من المفاهيم التي قد تُقدَّم بصورة مبتورة أو متشددة.
وأنا أرى أن مواجهة التطرف لا تبدأ دائمًا بمواجهة الفكرة بعد انتشارها، وإنما تبدأ قبل ذلك ببناء العقل الذي لا يقبل الفكرة المتطرفة بسهولة، ولهذا نحرص على أن يتعلم الطالب أصول الفهم، ومناهج الاستدلال، وفقه الواقع، وأدب الاختلاف، فإذا عاد إلى بلده أصبح قادرًا على أن يقدم خطابًا دينيًّا يحمي المجتمع من الغلو كما يحميه من التفريط.
>> كيف ترون دور المنظمة العالمية لخريجي الأزهر في رعاية الطلاب الوافدين والتواصل مع الخريجين من خلال فروعها الخارجية؟
المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تمثل امتدادًا طبيعيًّا لرسالة الأزهر بعد أن يغادر الطالب أسواره، فالطالب حين يتخرج لا تنتهي علاقته بالأزهر؛ وإنما تبدأ مرحلة جديدة من الرسالة، وهنا تأتي أهمية التواصل مع الخريجين، وتبادل الخبرات، وتقديم البرامج العلمية والفكرية، والاستفادة من وجودهم في مجتمعاتهم، والفروع الخارجية للمنظمة تعد جسورًا حقيقية بين الأزهر ومجتمعات العالم؛ لأن الخريج يعرف لغة مجتمعه وثقافته وتحدياته، وفي الوقت نفسه يحمل المنهج الذي تعلمه في الأزهر.
>> هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة العلوم الإسلامية وتعليم اللغة العربية للوافدين؟
بالتأكيد، بل أرى أن عدم توظيف هذه التقنيات في التعليم سيكون تفويتًا لإمكانات كبيرة، لكن القضية ليست أن نستبدل المعلم أو العالم بالآلة، وإنما أن نجعل التكنولوجيا خادمة للعالم لا بديلًا عنه، لذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تعليم العربية للناطقين بغيرها، وتحليل الأخطاء اللغوية، وتقديم تدريبات تناسب مستوى كل طالب، وإتاحة المحتوى العلمي بصورة أكثر تفاعلية، كما يمكن أن يخدم الباحث في الوصول إلى المصادر وتصنيفها وتحليلها.
لكن في العلوم الإسلامية تحديدًا، نحتاج إلى وعي نقدي شديد؛ فالآلة تستطيع أن تجمع وتولّد، لكنها لا تحمل وحدها مسؤولية التحقيق العلمي، وفهم السياق، وتمييز الصحيح من السقيم.
>> أنتم من النماذج النسائية البارزة في جامعة الأزهر.. كيف ترون دور المرأة في العمل الأكاديمي والدعوي؟
المرأة في المجال الأكاديمي والدعوي تؤدي دورًا أصيلًا في صناعة المعرفة وبناء الإنسان، والتاريخ الإسلامي نفسه يقدم لنا نماذج نسائية كان لها حضور في العلم والرواية والتعليم، واليوم تحتاج المجتمعات إلى المرأة العالمة، والباحثة، والأستاذة الجامعية، والداعية الواعية؛ لأنها قادرة على الوصول إلى دوائر اجتماعية قد يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى، وأنا أؤمن أن تمكين المرأة لا يعني فقط أن نمنحها موقعًا، وإنما أن نمنحها أدوات صناعة القرار والمعرفة والأثر.
>> ما الرسالة التي يبعث بها الأزهر من خلال تمكين الكفاءات النسائية في مواقع القيادة؟
الرسالة هي أن الكفاءة هي أساس المسؤولية، وأن المرأة حين تمتلك العلم والخبرة والقدرة على القيادة، فإن المجتمع كله ينتفع بعطائها، وتمكين المرأة في مواقع القيادة داخل المؤسسة التعليمية، هو توسيع لدائرة الخبرات والطاقات التي تعمل من أجل المؤسسة ورسالتها، والأزهر حين يضع المرأة الكفء في موقع القيادة، فإنه يقول للأجيال الجديدة: العلم يفتح أبواب المسؤولية، والإنجاز هو الذي يصنع مكان الإنسان.
>> كيف يمكن للمرأة أن تؤدي دورًا أكبر في نشر قيم الاعتدال والسلام داخل المجتمعات؟
المرأة تؤثر في الإنسان منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها تكوين شخصيته؛ ولذلك فإن أثرها في صناعة الوعي يمتد إلى الأسرة والتعليم والمجتمع، ويمكن للمرأة أن تنشر الاعتدال حين تجعل الحوار جزءًا من التربية، والاختلاف مساحة للفهم، والدين مصدرًا للبناء لا للصراع، والسلام الحقيقي لا يبدأ من المؤتمرات فقط؛ بل يبدأ من طريقة حديثنا داخل البيت، وطريقة تربيتنا لأبنائنا، وطريقة تعاملنا مع المختلف.
>> كيف تقيمون تجربة كلية العلوم الإسلامية للوافدين منذ إنشائها في خدمة رسالة الأزهر العالمية؟
أرى أن تجربة الكلية تمثل إحدى الصور المهمة لتجسيد رسالة الأزهر العالمية؛ لأنها لا تنظر إلى الطالب الوافد باعتباره طالبًا أجنبيًّا، وإنما باعتباره جزءًا من الامتداد العالمي للأزهر، والكلية تعمل على الجمع بين علوم الشريعة واللغة العربية، وبين التأهيل الذي يحتاجه الطالب ليعود إلى مجتمعه قادرًا على أداء دوره، والنجاح الحقيقي للكلية لا يُختزل في قاعات الدراسة، أو أعداد الخريجين، وإنما في هؤلاء الخريجين عندما يعودون إلى بلادهم علماء ومعلمين وباحثين ودعاة، يحملون علمًا أزهريًّا راسخًا، وروحًا قادرة على التواصل مع مجتمعاتهم.
>> ما رسالتكم إلى الطلاب الوافدين الذين اختاروا الأزهر الشريف وجهةً لدراستهم؟
أقول لهم: أنتم لم تأتوا إلى الأزهر لتحصلوا على شهادة فقط؛ جئتم لتبنوا أنفسكم، ولتتعلموا كيف تحملون العلم إلى الناس، استثمروا سنواتكم في الأزهر في بناء العقل والشخصية، ولا تجعلوا غايتكم النجاح في الامتحان، بل النجاح في أن تصبحوا بعد التخرج قادرين على صناعة أثر، احفظوا هويتكم، واحترموا هويات الآخرين، تعلموا العربية، وتعمقوا في علومكم، وافتحوا عقولكم للحوار، وتذكروا دائمًا أنكم حين تعودون إلى بلادكم لن تكونوا مجرد خريجين؛ ستكونون سفراء لما تعلمتموه في الأزهر، وصورة حية للمنهج الذي حملتموه منه.
>> وما رسالتكم إلى خريجي الأزهر المنتشرين في مختلف دول العالم؟
أقول لهم: الأزهر لا تنتهي علاقتكم به يوم تتسلمون شهاداتكم؛ يومها تبدأ مسؤوليتكم، أنتم الامتداد الحي لهذه المؤسسة في بلدانكم، فكونوا أمناء على العلم، رحماء بالناس، قادرين على الحوار، واعين بتحولات مجتمعاتكم، ولا تجعلوا العلم الذي تعلمتموه حبيس الكتب، ليكن كل خريج أزهري جسرًا بين العلم والمجتمع، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الحضارات والثقافات.
وأقول لهم أيضًا: العالم اليوم يحتاج إلى صوت الحكمة أكثر من أي وقت مضى، ويحتاج إلى علماء يجمعون بين رسوخ العلم ورحابة الإنسان، فاحملوا الأزهر في أخلاقكم قبل كلماتكم، وفي سلوككم قبل خطبكم، وفي قدرتكم على البناء قبل قدرتكم على النقد؛ لأن رسالة الأزهر في النهاية ليست أن يكثر عدد خريجيه، وإنما أن يكثر أثر خريجيه في العالم.



