اخبارحوار خاص

د. عبد الحميد مدكور الأمين العام لمجمع اللغة العربية: الأمة التي تفرط في لغتها تفقد جزءًا كبيرًا من هويتها وذاكرتها التاريخية.



>> نصف مليون مصطلح علمي يؤكد قدرة لغتنا على استيعاب أحدث العلوم والتقنيات.

>> طلاب الأزهر الوافدون سفراء للوسطية والعربية في العالم، ودعم الأزهر حماية لهوية مصر وقوتها الناعمة.

>> مجمع اللغة العربية ليس مؤسسة لغوية فقط .. ولكن بيت خبرة للعلوم والمعرفة.

>> الذكاء الاصطناعي “مارد العصر” يحتاج إلى عقل العالم وخبرة المتخصص.

حوار- محمد رأفت فرج:


في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، ووسط ثورة الذكاء الاصطناعي، والتحديات التي تواجه اللغة العربية، والهوية الثقافية، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للعربية أن تحافظ على مكانتها لغةً للعلم والحضارة، وأن تواكب العصر دون أن تفقد أصالتها؟ وما الدور الذي يضطلع به الأزهر الشريف، باعتباره المرجعية العلمية الأكبر في العالم الإسلامي، ومجمع اللغة العربية، بوصفه الحارس الأمين للسان العربي، في حماية اللغة، وصون الهوية، وبناء محتوى معرفي عربي، قادر على المنافسة في العصر الرقمي؟

في هذا الحوار، يفتح الأمين العام لمجمع اللغة العربية: ملفات شديدة الأهمية، فيتحدث بصراحة عن أسباب تراجع حضور العربية في الحياة العامة، ومخاطر إضعافها على هوية الأمة وذاكرتها الحضارية، ويستعرض جهود مجمع اللغة العربية في إنتاج المصطلحات الحديثة، ورؤيته لاستثمار الذكاء الاصطناعي في خدمة اللغة والبحث العلمي، مسلطًا الضوء على الدور التاريخي الذي يقوم به الأزهر الشريف منذ أكثر من ألف عام في حفظ اللغة العربية، وخدمة علوم القرآن، وإعداد أجيال من العلماء المصريين والوافدين، الذين يحملون رسالة الوسطية واللغة العربية إلى مختلف أنحاء العالم.

*ونحن نعيش في ظل المتغيرات الثقافية والتكنولوجية المتسارعة، كيف تنظرون إلى واقع اللغة العربية اليوم؟*

أرى أن اللغة العربية تمر بمرحلة من التضييق، لا تتناسب مع تاريخها العريق، ولا مع إمكاناتها الحضارية والثقافية، ولا مع قدرتها الكبيرة على التطور واستيعاب كل جديد.

ويرجع ذلك إلى عوامل داخلية، وأخرى خارجية، أسهمت في إضعاف حضورها في الحياة العامة، وأولى هذه العوامل: أن اللغة تُكتسب بالسماع قبل أن تُكتسب بالتعلم، فالطفل يتعلم لغته من البيئة المحيطة به، وإذا غاب السماع، ضعفت قدرته على اكتسابها، فحضور الفصحى في وسائل الإعلام، وفي المؤسسات، وفي الحياة اليومية، أصبح محدودًا، وهو ما يؤثر سلبًا في تكوين الملكة اللغوية لدى الأجيال الجديدة.

كما أن هناك أيضًا عوامل خارجية، تتمثل في: محاولات تقليص مكانة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم، ولغة الحضارة الإسلامية، إضافة إلى أن القوى الاستعمارية عندما احتلت بعض البلدان العربية، سارعت إلى استبدال العربية بلغات أجنبية في التعليم والإدارة، فضلًا عن محاولاتها استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني في عدد من اللغات الأفريقية، بهدف إضعاف الصلة بالتراث العربي والإسلامي، وكذلك انتشار المدارس والجامعات الأجنبية التي تعتمد اللغات الأجنبية بصورة كاملة، مع محدودية استخدام العربية داخلها، يمثل تحديًا إضافيًّا أمام تعزيز حضور اللغة العربية في المجتمع، وهو ما يستدعي تكاتف المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، لإعادة العربية إلى مكانتها الطبيعية كلغة علم وثقافة وهوية.

*ما أخطر ما يمكن أن تخسره الأمة إذا ضعفت اللغة العربية أو تراجعت مكانتها؟*

إن الأمة التي تفرط في لغتها: تفقد جزءًا كبيرًا من هويتها وذاكرتها التاريخية، فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما هي الوعاء الذي يحمل التاريخ والثقافة والقيم والحضارة، وعندما ينشأ الأبناء على لغة أجنبية وحدها، فإنهم يتعرفون إلى تاريخ الأمم التي يتحدثون لغتها، بينما يبتعدون تدريجيًّا عن تاريخ أمتهم، وتراثها، ورموزها الفكرية والعلمية، فاللغة العربية تمثل اليوم الرابط الأقوى الذي يجمع أبناء الأمة العربية على اختلاف أوطانهم، وإذا ضعف هذا الرابط، تراجعت عوامل الوحدة الثقافية والحضارية، وهو ما ينعكس سلبًا على قوة الأمة وتماسكها.

*إذن ترون أن الحفاظ على اللغة العربية يسهم أيضًا في حماية الفكر والهوية؟*

بلا شك، فالفكر قد يتعرض لمحاولات التأثير بوسائل متعددة، لكن اللغة تظل الحصن الأهم لحماية الهوية الثقافية والفكرية، فعندما ترتبط القيم والمبادئ والتاريخ باللغة التي نشأ عليها المجتمع، تصبح اللغة وعاءً للذاكرة الجماعية، وحارسًا للهوية الحضارية، والتفريط في اللغة: يجعل الأمة تواجه المستقبل بلا ذاكرة، لأن اللغة هي التي تنقل التاريخ والخبرة والتجربة الإنسانية، من جيل إلى جيل، والأمة التي تنقطع عن لغتها: تنقطع تدريجيًّا عن جذورها، وتفقد قدرتها على استلهام ماضيها في بناء حاضرها وصناعة مستقبلها، والأمة العربية والإسلامية تمتلك تراثًا حضاريًّا وإنسانيًّا بالغ الثراء، ينبغي أن يكون مصدرًا للفخر والإلهام، لا أن يُهمَل أو يُتجاهل، فالأمم التي تحسن توظيف تاريخها ولغتها وثقافتها، تمتلك قدرة أكبر على صناعة المستقبل.

*ما الدور الذي يقوم به مجمع اللغة العربية في حماية العربية ومواكبة التحديات المعاصرة، خاصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا؟*

إذا عدنا إلى المرسوم الملكي الذي صدر في عهد الملك فؤاد الأول بإنشاء مجمع اللغة العربية، نجد أن الهدف كان واضحًا، وهو إنشاء مؤسسة علمية، على غرار الأكاديمية الفرنسية، تتولى حماية اللغة العربية، وتطويرها، وتيسيرها، وتمكينها من مواكبة العصر والعلوم الحديثة، ومنذ تأسيسه، يعمل المجمع على تحقيق هذه الرسالة، من خلال جهود علمية متواصلة، يأتي في مقدمتها: إعداد المعاجم اللغوية والعلمية، فالمجمع لا يقتصر على إصدار معاجم اللغة العربية العامة، بل يقدم مستويات متنوعة، تلبي احتياجات مختلف الفئات؛ مثل المعجم الوجيز لطلاب المدارس والجامعات، والمعجم الوسيط للمثقف العام، والمعجم الكبير للمتخصصين والباحثين، والذي بلغ نحو عشرين مجلدًا تضم أكثر من خمسة عشر ألف صفحة، إلى جانب معجم ألفاظ القرآن الكريم، وغيره من المعاجم المتخصصة، فكثير من الناس يظن أن عمل المجمع يقتصر على اللغة والأدب، بينما يمتد نشاطه إلى مختلف التخصصات العلمية، إذ أصدر معاجم في الطب والهندسة والكيمياء والصيدلة والجغرافيا والأنثروبولوجيا والحاسب الآلي، كما أعد معجمًا متخصصًا في مصطلحات الذكاء الاصطناعي، يقترب من ألف صفحة، في إطار مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية، حيث يضم نحو أربعين لجنة علمية، تعمل كل منها في مجال معرفي محدد، لإعداد المصطلحات والمعاجم التي يمكن للجامعات والمؤسسات العلمية الاعتماد عليها في التدريس والبحث العلمي، بما يعزز مكانة العربية لغةً للعلم والمعرفة، والجهود لا تتوقف عند إصدار المعاجم، بل تشمل أيضًا تنظيم المؤتمرات العلمية، والمواسم الثقافية، وإصدار الدوريات والمجلات المتخصصة.

*لكن كثيرًا من الناس لا يعرفون حجم هذه الجهود التي يبذلها مجمع اللغة العربية!*

هذا صحيح، فكثيرون لا يدركون اتساع نطاق عمل المجمع، فنحن لا نقتصر على إصدار المعاجم اللغوية، بل نعمل بصورة مستمرة على تعريب وتوحيد المصطلحات العلمية في مختلف التخصصات، وقد ترجم المجمع وأقر أكثر من نصف مليون مصطلح علمي في مجالات العلوم الطبيعية والرياضيات والعلوم الأساسية والتطبيقية وغيرها، ونواصل هذا العمل عامًا بعد عام، إذ تُعرض في مؤتمر المجمع السنوي: حصيلة ما أنجزته لجانه العلمية من مصطلحات جديدة في مختلف فروع المعرفة، ومنها: العلوم الشرعية، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والتربية، وعلم النفس، وغيرها من التخصصات، وكذلك معجمًا لمصطلحات الذكاء الاصطناعي، حيث يضم المجمع نحو أربعين لجنة علمية، تعمل على متابعة المستجدات العلمية، واقتراح المصطلحات العربية المناسبة لها، بما يضمن مواكبة اللغة العربية للتطور المتسارع في مختلف ميادين المعرفة، ويؤكد قدرتها على استيعاب كل جديد، دون أن تفقد أصالتها.



*طالما تطرقتم إلى معجم مصطلحات الذكاء الاصطناعي، كيف ترون مستقبل اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي؟*

اللغة كائن حي، ولا يمكن أن تحافظ على وجودها أو تطورها من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى رعاية أصحابها، ودعم دولهم ومؤسساتهم، فإذا أرادت أمة أن تحافظ على لغتها، فعليها أن تجعلها حاضرة في كافة المجالات، كما تفعل الدول التي نجحت في حماية لغاتها الوطنية، فتعلم اللغات الأجنبية ضرورة لا غنى عنها، لأن معظم الإنتاج العلمي العالمي يُنشر بها، لكن هناك فارق كبير بين تعلم لغة أجنبية، للاستفادة من علومها، وبين التدريس بها، وإقصاء اللغة الوطنية، والدول العربية تمتلك ميزة كبيرة، تتمثل في اشتراكها في لغة واحدة، وهو ما يتيح لها بناء مشروع معرفي عربي موحد، إذا توافرت الإرادة، فكتابة التاريخ والثقافة والحضارة بأقلام أصحابها ضرورة لا غنى عنها، لأن الاعتماد الكامل على ما يكتبه الآخرون، يجعل الأمة أسيرة للرؤية الخارجية، بينما تمتلك الأمة العربية والإسلامية حضارة ومنظومة معرفية، تستحق أن تُعرض للعالم برؤية أبنائها، مع الحفاظ على قيمها وأخلاقها وهويتها، ولعل البعض يعرف تجربة الاتحاد الأوروبي، الذي أنشأ منصات معرفية وثقافية متعددة اللغات، تتيح لمواطنيه الوصول إلى المعرفة بلغاتهم الوطنية، والعالم العربي أولى بإقامة مشروع مماثل، يخدم اللغة العربية في جميع مجالات المعرفة.

*كيف يمكن استثمار الذكاء الاصطناعي في خدمة المعاجم العربية والبحث اللغوي؟*

الذكاء الاصطناعي هو بحق “مارد العصر”؛ لما يمتلكه من إمكانات هائلة، يمكن توظيفها في مختلف مجالات المعرفة، سواء كانت أدبية أو علمية، أو فنية أو ثقافية، ومن أبرز هذه الإمكانات: قدرته الفائقة على جمع المعلومات من مئات المصادر في وقت قياسي، ثم تحليلها واستخلاص أهم عناصرها بصورة دقيقة، كما يمتلك القدرة على تحليل المعلومات، ووضع منهجيات لمعالجة الموضوعات، والترجمة الفورية، التي وصلت في بعض تطبيقاتها إلى نسب دقة تتراوح بين 85 و90%، وكل ذلك يتم في لحظات، ومن المجالات الواعدة أيضًا: قدرته على قراءة المخطوطات وتحليلها، بشرط أن يكون قد دُرِّب على ذلك، وأن تكون هذه المخطوطات أو بياناتها متاحة داخل قواعد البيانات التي يعتمد عليها، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل من فراغ، وإنما يعتمد على ما يُغذَّى به من معلومات وبيانات صحيحة أو غير صحيحة.

ولكي نستثمر هذه الإمكانات في خدمة اللغة العربية، فلا بد من تنفيذ مشروعات علمية كبرى، تشارك فيها فرق متعددة التخصصات، تضم خبراء التقنية والمبرمجين، إلى جانب علماء اللغة العربية والمتخصصين في فروعها المختلفة، فهذه المشروعات تحتاج إلى دعم حقيقي من الدول؛ لأنها تتطلب تمويلًا كبيرًا لإنشاء المدونات اللغوية، والمنصات العلمية، وقواعد البيانات التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم بناء البرامج وفق أسس علمية دقيقة ومحكمة.

*هل يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي اعتمادًا كاملًا في البحث اللغوي والشرعي؟*

لا، لا يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي اعتمادًا مطلقًا، لأنه رغم إمكاناته الكبيرة، فإنه قد يقع في أخطاء تستوجب المراجعة والتدقيق، ولهذا نجد أن بعض الأنظمة تضع تنبيهًا يفيد بأن المعلومات قد تكون غير دقيقة، وهو تنبيه في محله، لذلك فإن نجاح استثمار الذكاء الاصطناعي يتوقف على توافر ثلاثة عناصر أساسية، أولها: وجود علماء متخصصين في المجال الذي يراد إعداد البرامج له، حتى يقدموا المادة العلمية الصحيحة، وثانيها: وجود خبراء وتقنيين يمتلكون الكفاءة اللازمة لبناء هذه الأنظمة وتطويرها، وثالثها: المتابعة المستمرة لمخرجات هذه البرامج، وتقييمها، وتصحيح ما قد يقع فيها من أخطاء، مع تدريبها بصورة دائمة على البيانات الصحيحة، وتزداد أهمية هذه المراجعة، إذا كان الأمر يتعلق بالأحكام الفقهية، أو تفسير القرآن الكريم، أو الحديث النبوي، أو القضايا اللغوية الدقيقة؛ فهذه مجالات لا تحتمل الخطأ، ولا بد أن تخضع لإشراف علمي مباشر من المتخصصين، وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قوية تساعد الباحثين، وتختصر الوقت والجهد، وتسهم في إنجاز أعمال علمية كبيرة بكفاءة وسرعة، مع بقاء الإنسان المتخصص هو المرجعية النهائية في التحقق من صحة النتائج وضبطها.

*هناك تخوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في الجوانب الدينية والنصوص الشرعية، فما العلاقة بين سلامة اللغة العربية وسلامة فهم النص الشرعي؟*

إن فهم النصوص الشرعية ليس أمرًا يسيرًا، بل يحتاج إلى تأهيل علمي عميق، وتدريب طويل، ويزداد الأمر أهمية عندما يتعلق بالقرآن الكريم؛ لأن لغة القرآن لغة بالغة الدقة والثراء، وتشتمل على أساليب ودلالات لا يدركها إلا من امتلك أدوات العلم، وقد أشار الإمام الشافعي إلى جانب من هذه الدقة، فبيّن أن في القرآن عامًّا يُراد به الخاص، وخاصًّا يُراد به العام، ومطلقًا يُقيَّد، وغير ذلك من الأساليب التي تحتاج إلى فهم عميق، وإدراك لمقاصد النصوص.

ولهذا قرر العلماء أن من يتصدى لتفسير القرآن الكريم: لا بد أن يكون ملمًّا بعدد كبير من العلوم، يصل إلى نحو خمسة عشر علمًا، من بينها: علوم اللغة العربية، والنحو، والصرف، والبلاغة، وأصول الفقه، والفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات، وغيرها من العلوم التي تعين على الفهم الصحيح، كما يحتاج إلى وعي بالمقاصد الشرعية، وإلى بصيرة علمية وروحية تمنعه من التسرع في نسبة معنى غير مراد إلى كلام الله تعالى، ومن هنا، فإن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا ينبغي أن يُترك منفردًا في تفسير النصوص الشرعية، أو إصدار الأحكام المتعلقة بها، بل يجب أن يعمل تحت إشراف العلماء المتخصصين؛ لأن التفسير ليس مجرد جمع للمعلومات، وإنما هو فهم دقيق للنص، وإدراك للسياق، ومعرفة بمناهج العلماء في الاستنباط.

ولهذا كان العلماء يتحرزون غاية التحرز عند تفسير القرآن، فلا يجزمون بأن هذا هو مراد الله تعالى إلا بدليل، بل يقولون: “يحتمل أن يكون المعنى كذا”، أو “ذكر أهل العلم أن المعنى كذا”، اتقاءً للقول على الله بغير علم، لذلك فإن جميع مشروعات توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة العلوم الشرعية، يجب أن تقوم على أساس علمي راسخ، وأن تخضع لمراجعة دقيقة من العلماء المتخصصين، حتى تكون أداةً لخدمة الدين واللغة العربية، لا سببًا في نشر الأخطاء، أو إساءة فهم النصوص.

*ما المشروعات التي ينبغي العمل عليها لتطوير المحتوى العربي الرقمي والاستفادة من الذكاء الاصطناعي؟*

الحديث عن الذكاء الاصطناعي يتجدد كل يوم؛ فالتقنيات تتطور بوتيرة متسارعة، وتظهر برامج وتطبيقات جديدة بصورة تكاد تكون يومية. ولهذا أرى أننا تجاوزنا مرحلة الاكتفاء بالحديث عن الجوانب النظرية، أو ما يمكن أن نسميه: “أدبيات الذكاء الاصطناعي”، من قبيل الحديث عن أهميته، أو إمكاناته، أو المخاوف المرتبطة به، وانتقلنا إلى مرحلة أهم، وهي: مرحلة بناء التطبيقات والبرامج العملية.

المطلوب الآن هو أن تُعرض هذه البرامج على العلماء المتخصصين، وأن تُشكَّل فرق عمل تجمع بين أهل الاختصاص العلمي، والخبراء التقنيين، حتى تُبنى تطبيقات رصينة تخدم اللغة العربية، والعلوم الإسلامية، والمعرفة الإنسانية بصورة عامة، غير أن هذه المشروعات تحتاج إلى تمويل كبير، ولا يمكن أن تنهض إلا بتكاتف الجهود، ولذلك فإن دعم الحكومات يعد ضرورة، كما ينبغي إحياء دور الوقف الإسلامي، بوصفه أحد أهم مصادر تمويل العلم والمعرفة عبر تاريخنا، فقد كان الوقف الإسلامي ركيزة أساسية في إنشاء المدارس والجامعات، والإنفاق على المساجد، ورعاية طلاب العلم، وتوفير المنح لهم، وهو نموذج حضاري، أثبت نجاحه عبر القرون.

والعالم الإسلامي يمتلك من الإمكانات والثروات ما يؤهله لقيادة نهضة علمية جديدة، لكن القضية ليست في توافر المال، وإنما في توجيهه إلى صناعة المعرفة، واقتصاد المعرفة، ودعم البحث العلمي، والاستثمار في التقنيات الحديثة، وهذه مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمؤسسات وأهل الخير، وإذا لم نستثمر في العلم والبحث والتقنية، فسوف تتسع الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة، التي تخصص مليارات الدولارات للجامعات، ومراكز الأبحاث، من خلال الأوقاف، والصناديق العلمية، حتى أصبحت المعرفة هي أساس قوتها وتقدمها.

ولدينا في تراثنا نماذج مضيئة، تؤكد قيمة الاستثمار في العلم، فقد ازدهرت حركة الترجمة في العصرين الأموي والعباسي، وبلغت ذروتها في عهد الخليفة المأمون، الذي كان يكافئ بعض المترجمين بوزن الكتاب المترجم ذهبًا، وهو ما يجسد إدراكًا عميقًا بأن المعرفة هي الثروة الباقية التي تصنع الحضارات.

*كيف تقيّمون الدور التاريخي الذي يقوم به الأزهر الشريف في خدمة اللغة العربية وعلومها؟*

أقول بكل تواضع: لست أهلًا لأن أتحدث عن قدر الأزهر الشريف، فالأزهر مؤسسة علمية كبرى، لها مكانتها المتميزة في العالم الإسلامي، وقد اضطلعت بدور عظيم في خدمة الإسلام واللغة العربية، على مدى أكثر من ألف عام، فلقد مرَّت على الأمة الإسلامية فترات ضعف واضطراب، وتعطلت فيها كثير من المؤسسات العلمية، لكن الأزهر ظل صامدًا، يؤدي رسالته في حفظ اللغة العربية، وصيانة علوم القرآن الكريم، وحماية العقيدة الإسلامية، والدفاع عن صحيح الدين، وهو دور تاريخي لا يمكن إنكاره، ولا يزال الأزهر، رغم كل التحديات، يمثل المرجعية العلمية الكبرى في العالم الإسلامي، وإذا كانت الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين في عبادتهم، فإن الأزهر هو قبلة العلم الشرعي واللغة العربية، ومقصد طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم، ومن يتابع الزيارات الخارجية لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، يدرك حجم المكانة التي يحظى بها الأزهر عالميًّا؛ إذ يُستقبل في كثير من الدول باستقبال يليق بكبار قادة العالم، ويحاط باحترام وتقدير كبيرين، تعبيرًا عن المكانة العلمية والروحية التي يمثلها الأزهر الشريف في نفوس المسلمين.

ولهذا أرى أنه لا يجوز التفريط في هذه القوة الناعمة التي تمتلكها مصر، فالأزهر أحد أهم مصادر تأثيرها الحضاري والثقافي في العالم، والمحافظة على مكانته هي في الوقت نفسه محافظة على مكانة مصر وريادتها، ومن هنا فإن دعم الأزهر واجب وطني وحضاري، سواء من خلال توفير الإمكانات التي تمكنه من أداء رسالته، أو من خلال إحياء دور الأوقاف الإسلامية التي كانت عبر التاريخ سندًا رئيسًا للمؤسسات العلمية، فكلما توفرت للأزهر الإمكانات اللازمة، استطاع أن يؤدي رسالته في خدمة الإسلام واللغة العربية، وإعداد العلماء، والقيام بدوره العلمي والدعوي، على الوجه الأكمل.

*كيف يسهم الأزهر الشريف اليوم، في نشر اللغة العربية وعلومها بين الطلاب الوافدين من مختلف دول العالم؟*

يقوم الأزهر الشريف بدور رائد في نشر اللغة العربية والعلوم الإسلامية بين الطلاب الوافدين من مختلف أنحاء العالم، فهو يستقبل آلاف الطلاب من عشرات الدول في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين، ومن دول مثل: الصين والهند وباكستان وماليزيا وغيرها، ليتلقوا علوم الشريعة واللغة العربية في كلياته ومعاهده، وقد التقيت بكثير من هؤلاء الطلاب، وشاركتهم في عدد من الفعاليات، ورأيت عن قرب تنوع جنسياتهم وثقافاتهم، وهؤلاء الوافدون يمثلون، في الحقيقة، سفراء للأزهر، وللغة العربية، وللإسلام الوسطي في بلدانهم، فعندما يعودون إلى أوطانهم ينقلون ما تعلموه من علم ومنهج وفكر معتدل.

ويقدم الأزهر منحًا دراسية للطلاب الوافدين، تشمل التعليم والإقامة والرعاية، بما يتيح لهم التفرغ لطلب العلم. ويأتي هؤلاء الطلاب من مناطق متعددة، منها: دول غرب أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، ووسط آسيا، وغيرها من أنحاء العالم، ويواصل كثير منهم دراساتهم العليا حتى مرحلتي الماجستير والدكتوراه، ولا شك أن استمرار هذا الدور الحضاري يحتاج إلى مزيد من الدعم؛ فالأزهر يؤدي رسالة عالمية تتجاوز حدود مصر، ولذلك فإن مساندته من مؤسسات الدولة والهيئات المعنية، تمثل ضرورة، حتى يواصل أداء رسالته في نشر اللغة العربية، وترسيخ المنهج الإسلامي الوسطي، وإعداد أجيال من العلماء والدعاة، الذين يحملون رسالة الأزهر إلى العالم كله.





*كيف يمكن تحويل اللغة العربية من مادة دراسية إلى أسلوب حياة وثقافة يومية لدى الأجيال الجديدة؟*

لكي تتحول اللغة العربية من مجرد مادة دراسية إلى أسلوب حياة، لا بد أولًا من أن يزداد الاهتمام بها داخل مؤسسات التعليم، وأن تصبح جزءًا من الممارسة اليومية للطالب، لا أن تقتصر على حصة دراسية أو امتحان، وفي الماضي كان التعليم يبدأ بحفظ القرآن الكريم في الكتاتيب، وكان لهذا أثر بالغ في ترسيخ اللغة العربية في نفوس الأطفال، فالطالب الذي يتم حفظ القرآن الكريم، يكون قد مرَّ على نحو خمسين ألف كلمة قرآنية، وهو رصيد لغوي هائل لا يتوافر في كثير من النظم التعليمية في العالم، وهذا المخزون اللغوي، يمنحه ثروة في المفردات، وسلامة في النطق، وحسًّا لغويًّا رفيعًا، كما ينبغي أن تتطور مناهج اللغة العربية بما يتناسب مع واقع الطلاب وحياتهم، فلا نقدم لهم نصوصًا بعيدة عن بيئتهم، أو موضوعات يصعب عليهم التفاعل معها، بل نربط اللغة بقضايا العصر، واهتمامات الشباب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على النصوص العربية الرفيعة، التي تنمي الذوق اللغوي، وفي تراثنا الأدبي نماذج رائعة، يسهل تقديمها للأجيال الجديدة، سواء من شعر عنترة بن شداد، أو المتنبي، أو أحمد شوقي، أو حافظ إبراهيم، أو البارودي، أو غيرهم من كبار الشعراء، مع اختيار النصوص الواضحة والقريبة من المتلقي، وحسن شرحها، وإبراز ما فيها من جمال لغوي وبلاغي.

*وكيف نحافظ على ما يتعلمه الطلاب خلال العام الدراسي حتى لا ينسوه في الإجازة الصيفية؟*

أقترح أن يتم اختيار نص أدبي متميز، شعرًا أو نثرًا، ويُعرب إعرابًا كاملًا، ثم يُطلب من الطلاب مراجعته، والتدرب عليه طوال الإجازة، وبهذه الطريقة تظل قواعد النحو والبلاغة والعروض حاضرة في أذهانهم، فيتذكرون الفاعل والمفعول، والتمييز، والصور البيانية، وأوزان الشعر، وغيرها من مهارات اللغة، كما أرى ضرورة إعادة الأنشطة اللغوية التي كانت موجودة في مدارسنا، مثل حصص الإنشاء، والمناظرات، والمسابقات اللغوية، التي كانت تنمي القدرة على التعبير والحوار والإقناع، فقد كان المعلمون يقسمون الطلاب إلى مجموعات، ويطرحون قضية للنقاش، فيدافع فريق عن رأي، ويعرض الفريق الآخر وجهة نظره، فيتعلم الجميع التفكير المنظم، وحسن التعبير، وآداب الحوار.

ونحن في صغرنا كنا نقرأ السيرة النبوية، ونلقيها بالفصحى، لأن معلمينا كانوا يتحدثون العربية السليمة، ويحرصون على أن ننطق بها، ويصححون أخطاءنا باستمرار، ولذلك كان من الطبيعي أن تجد طالبًا في الثالثة عشرة من عمره يستطيع أن يقف على المنبر، ويلقي كلمة باللغة العربية الفصحى، لا تكاد تجد فيها خطأ، وإن وقع في شيء يسير صححه معلموه حتى يترسخ لديه الأداء اللغوي السليم، وبالتالي فإن إحياء هذه الممارسات التربوية، إلى جانب تطوير المناهج، وربط اللغة بالحياة، هو الطريق الحقيقي لجعل العربية ثقافة يومية يعيشها الطالب، لا مادة يحفظها ثم ينساها بعد انتهاء الامتحان.

*في ضوء ما يشهده العالم من صراعات فكرية وثقافية، كيف يمكن للأزهر الشريف ومجمع اللغة العربية والمؤسسات اللغوية أن تشكل معًا خط الدفاع الأول عن اللغة العربية والهوية الحضارية للأمة؟*

الأفكار والحلول موجودة، والمناهج العلمية واضحة، لكن القضية الحقيقية هي: من يتبنى هذه الرؤية، ومن يمتلك الإرادة لتنفيذها؟ فلا بد أن يدرك أبناء الأمة أنهم يواجهون تحديًا حضاريًّا حقيقيًّا، وأن الحفاظ على اللغة العربية والهوية الثقافية لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة من ضرورات البقاء والتقدم.

ولذلك لا بد من توحيد الجهود، وجمع الكلمة، وتوحيد الاتجاه، والعمل بروح الفريق الواحد. فنحن أمة واحدة، تدافع عن لغتها، وهويتها، وتاريخها، وحاضرها، ومستقبلها، وثرواتها الحضارية، وإذا لم نتحرك بوعي وجدية، فإن الفجوة بيننا وبين الأمم المتقدمة ستتسع يومًا بعد يوم، والتاريخ يقدم لنا دروسًا واضحة.

وأقول اليوم: العرب في خطر إذا لم يجعلوا العلم والبحث واللغة العربية في مقدمة أولوياتهم، فإذا استمر التأخر العلمي، فإن المستقبل لن يرحم المتقاعسين، وستفرض الأمم المتقدمة هيمنتها العلمية والثقافية والاقتصادية، بينما تظل الأمم المتأخرة تابعة لها، ومع ذلك، فإن لدينا من المقومات ما يؤهلنا للنهوض من جديد، فنحن أمة تمتلك تاريخًا عريقًا، وحضارةً عظيمة، وتراثًا علميًّا أسهم في قيادة العالم لقرون طويلة، والمطلوب هو أن نستعيد روح العمل، ونستثمر في العلم، ونحافظ على لغتنا العربية، لأنها وعاء العلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى