
“خريجي الأزهر” جسر لنشر الوسطية ومواجهة التطرف
التصدي للفتوى من غير المتخصصين خطر جسيم
أقول للمرأة الليبية كوني حاضرة بعلمك وقلمك وإبداعك
حوار: أسماء شاهين
إشراف: سعد المطعني
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي من تحديات على الوعي الديني والثقافي، تبرز الحاجة إلى خطاب علمي، قادر على الجمع بين أصالة المعرفة، ووسائل العصر الحديثة، وفي هذا السياق، يأتي الحوار مع د. زينب عيسى المدني، عضو هيئة التدريس بالجامعة الأسمرية – كلية الدراسات الإسلامية بـ”سبــهـا”، تخصص الحديث وعلومه، ليفتح عددًا من الملفات المرتبطة بعلم الحديث، وسبل تقريب السنة النبوية إلى الشباب، ومخاطر تداول المعلومات الدينية غير الموثقة، إلى جانب الدور المحوري الذي تؤديه المرأة الليبية في صون الهوية الثقافية، وتعزيز الوعي المجتمعي.
وتتوقف الدكتورة المدني في هذا الحوار عند محطات هامة، منها: إعادة تقديم العلوم الشرعية بلغة عصرية قريبة من الشباب، محذرة من مخاطر التسرع في تداول الأحاديث والفتاوى عبر المنصات الرقمية، مؤكدة أن التحقق والرجوع إلى المصادر العلمية: يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل الديني.
كما تستعرض رؤيتها لدور المرأة الليبية، بوصفها حاملة للهوية، وصانعة للوعي، لا مجرد حافظة للموروث، مؤكدة أهمية دعم الجامعات والمؤسسات الثقافية للمرأة، وتمكينها من المشاركة في المجالات العلمية والفكرية والإبداعية.
وفي جانب آخر، تتناول دور منظمة خريجي الأزهر في نشر الفكر الوسطي، ومواجهة الأفكار المتطرفة، داعية إلى مزيد من المبادرات، والبرامج المؤثرة في هذا المجال.
س1: عن أهمية علم الحديث في حياة المسلم.. كيف يمكن تقديم هذا العلم للطلاب والشباب بطريقة سهلة ومحببة؟
ج: تكمن أهمية علم الحديث في كونه المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، والبيان والشرح للقرآن الكريم؛ فمن خلاله نستطيع التمييز بين ما صح عن النبي ﷺ، وما لم يصح، حتى يكون اقتداؤنا بسنته قائمًا على العلم والبصيرة.
أما تقريب علم الحديث إلى الطلاب والشباب، فيمكن أن يبدأ من إبراز القيم الأخلاقية والتربوية والعملية التي تحملها الأحاديث النبوية، وربطها بحياة الشباب وواقعهم اليومي، بحيث يدرك الطالب أن السنة ليست مجرد نصوص تُحفظ، وإنما منهج حياة، وقيم يمكن تطبيقها في الواقع.
كما يمكن الاستفادة من الوسائل الرقمية الحديثة، من خلال تقديم السيرة والسنة في مقاطع فيديو قصيرة، وتطبيقات ذكية، وأساليب سرد قصصي ممتعة، مع البدء بالمتون القصيرة والواضحة، وتقديم مصطلحات علم الحديث بلغة معاصرة ومبسطة، تساعد الشباب على فهمها واستيعابها.
س2: في وقتنا الراهن هناك تحديات تواجه طالب علم الحديث في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع الانتشار السريع للمعلومات والأحاديث؟
ج: يواجه طالب علم الحديث في عصر التواصل الاجتماعي مجموعة من التحديات، يأتي في مقدمتها: انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة، نتيجة سرعة تداول الروايات، والنشرات، دون التثبت من صحتها، وهو ما يتطلب جهدًا أكبر في البحث والتحقق والبيان.
ومن التحديات أيضًا: الجرأة على الفتوى، والتصدر من جانب غير المتخصصين، فضلًا عن الاعتماد على الفهم الظاهري للنصوص، دون الرجوع إلى أصول الفتوى، وقواعدها العلمية.
كما أن الاعتماد على البحث السريع عبر محركات البحث والتطبيقات، دون فحص الأسانيد أو الرجوع إلى المصادر الأصلية، يمثل تحديًا حقيقيًّا أمام طالب العلم، ويضاف إلى ذلك: غلبة النمط الرقمي السريع على القراءة المتأنية، والاستيعاب العميق، لقواعد علم المصطلح، ورجال الإسناد.
وقد أصبح الأمر أكثر تعقيدًا مع استخدام أدوات توليد النصوص، والتصميمات الرقمية، التي قد تُنسب من خلالها أقوال مكذوبة إلى الرسول ﷺ في صورة احترافية، يصعب على غير المتخصصين اكتشاف زيفها؛ ولذلك أصبح التثبت والتحقق من المصادر: ضرورة لا غنى عنها.
س3: كيف ترى دكتور زينب دور المرأة الليبية؟
ج: تؤدي المرأة الليبية دورًا محوريًّا وأساسيًّا في صون الهوية والثقافة الوطنية، وتعزيزها، ويبرز ذلك في مجالات متعددة، من أهمها: غرس القيم والأخلاق الإسلامية، ونقل اللهجة الليبية، والأمثال الشعبية، والموروث الشفهي، والقصص، إلى الأجيال الجديدة.
كما تضطلع المرأة بدور مهم في الحفاظ على الفنون التقليدية، والصناعات اليدوية، إلى جانب مساهمتها في توثيق التاريخ، والموروث الثقافي، من خلال البحث العلمي، والتدريس، وتأليف الكتب، والدراسات التي تسهم في حفظ الهوية الوطنية.
وفي عصر التكنولوجيا، يمكن للمرأة أن توظف منصات التواصل الاجتماعي، والتجمعات الثقافية، في نشر الوعي بالتاريخ الليبي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والتعريف بالثقافة الليبية على المستويين: الإقليمي، والدولي.
س4: هذا الحديث يجعلنا نتطلع إلى معرفة دور الجامعات والمؤسسات الثقافية، وهل يمكن من خلاله دعم المرأة الليبية وتشجيعها على الإبداع والمشاركة في بناء المجتمع؟
ج: بالطبع نعم .. للجامعات والمؤسسات الثقافية دور أساسي في دعم المرأة الليبية، وإعدادها لتكون قائدة، وصاحبة فكر ووعي، بما يمكنها من الإسهام الفاعل في نهضة المجتمع.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال؛ إنشاء منصات إبداعية، وتنظيم دورات تدريبية، تسهم في بناء مهارات الإدارة والقيادة، إلى جانب رعاية مشروعات الليبيات الرائدات، التي تجمع بين الابتكار، والإنتاج العلمي، وتوفير المنح والتسهيلات اللازمة لتحقيق هذه المشروعات على الوجه الأمثل.
كما يمكن للمؤسسات أن تقدم تسهيلات تراعي المسؤوليات الأسرية للمرأة، وأن تعمل على ربط المبدعات الشابات بالخبرات الرائدة، بما يتيح لهن فرصًا أكبر للتعلم، وتبادل الخبرات، وتحويل الطاقات والأفكار إلى مشروعات ذات أثر حقيقي في المجتمع.
س5:الرسالة التى توجهها دكتورة زينب للمرأة الليبية؟
ج: أقول لكل امرأة ليبية: إن الوعي والعلم هما الحصن الأكبر للهوية، والسلاح الأقوى لبناء المستقبل، فأنتِ لستِ مجرد حافظة للتراث والموروث الثقافي الأصيل، بل أنتِ صانعة فاعلة للمشهد الفكري، والأكاديمي، والإنساني، في ليبيا.
استمري في التسلح بالمعرفة، وكوني حاضرة بعلمك، وقلمك، وإبداعك، في مختلف الميادين؛ فالمستقبل الثقافي الأوسع والأكثر إشراقًا لليبيا، يبدأ من شغفك بالإنجاز، ويستند إلى إيمانك بقدرتك على إحداث الفارق في مجتمعك، وفي حياة الأجيال القادمة.
س6: كيف ترين دور منظمة خريجي الأزهر في مواجهة الأفكار المتطرفة وتصحيح المفاهيم الدينية الخاطئة، ولا سيما لدى فئة الشباب؟
ج: أرى أن دور منظمة خريجي الأزهر في هذا المجال دور رائد، وقد استطاعت أن تصل إلى عقول وقلوب كثير من شباب المسلمين، ولا سيما الطلاب الوافدين الدارسين بالأزهر.
ويمكن للمنظمة أن تعزز هذا الدور، من خلال تفكيك الشبهات، ونشر الفكر الوسطي بلغة معاصرة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والاستفادة من الانتشار الواسع لخريجي الأزهر في عقد حوارات ميدانية مفتوحة مع الشباب.
كما أن تدريب الدعاة على أساليب التواصل الرقمي الحديثة، وتنظيم المعسكرات، والبرامج الفكرية والثقافية، بالتعاون مع المؤسسات التعليمية، يمكن أن يسهم في تعزيز حضور الخطاب الوسطي، وترسيخ المفاهيم الدينية الصحيحة.
وأتطلع إلى أن تواصل المنظمة جهودها في هذا المجال، وأن تقدم المزيد من المبادرات، والبرامج التي تحقق إنجازات أكثر تأثيرًا، وتسهم في بناء وعي ديني وفكري راسخ لدى الشباب.



