اخبارحوار خاص

د. مرزوق أولاد عبد الله في حوار خاص: الأزهر الشريف نموذج فريد في ترسيخ الوسطية والحوار والتسامح

<<المنهج الأزهري يجمع بين الأصالة والمعاصرة والانفتاح المستنير

<< الحوار الحقيقي لا يقوم على إلغاء الاختلاف والأزهر أدرك مبكرًا أهميته ومد جسور التواصل بين الأديان والثقافات

الخلافات المذهبية يمكن أن تكون مصدرًا لإثراء الفكر وغياب الحوار الرشيد خلق بيئة خصبة للتطرف

حماية الأوطان تبدأ بتوحيد الجهود وصون المقدرات وتحقيق الاستقرار

منظمة خريجي الأزهر تمثل الترجمة العملية لرسالة الأزهر داخل المجتمعات من خلال فروعها حول العالم

الأسرة المسلمة في الغرب تواجه تحديات ثقافية ودينية وفكرية متزايدة والأحوال الشخصية لها تطرح تحديات تحتاج إلى مقاربات واعية

يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتسخير إمكاناته فيما يحقق المصلحة وينفع الإنسان والمجتمع

حوار- محمد رأفت فرج:

أكد الدكتور مرزوق أولاد عبد الله، أستاذ الدراسات الإسلامية في هولندا، وعضو المجلس العلمي المغربي في أوروبا، أننا في حاجة ماسة إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعايش، باعتبارها ركائز أساسية لبناء مجتمعات أكثر استقرارًا، وقدرة على مواجهة التحديات، وفي هذا السياق، يظل الأزهر الشريف حاضرًا برسالته العلمية والدعوية، مؤكدًا في حواره لـ”موقع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر” على أهمية الوسطية والاعتدال واحترام التنوع، وضرورة إدارة الاختلاف، بعيدًا عن التعصب والاستقطاب.

كما يفتح الحوار أيضًا ملفات: الخلافات المذهبية، ومخاطر التطرف والإلحاد، ودور الحوار في حماية المجتمعات من الانقسام، إلى جانب التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة في الغرب، وسبل صيانة الهوية، وتعزيز القيم المشتركة، بما يدعم التفاهم والتعاون بين مختلف الأديان والثقافات.

بداية .. كيف ترون إسهامات الأزهر الشريف في ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتعاون وتعزيز جسور التواصل بين مختلف الأديان والثقافات؟
يمثل الأزهر الشريف نموذجًا فريدًا لمؤسسة علمية ودعوية، امتد عطاؤها عبر أكثر من ألف عام، واستطاعت أن تحافظ على مكانتها العلمية والفكرية، بفضل ما راكمته من تراث علمي وأكاديمي وبحثي ودعوي ثري، جعل منها منارة للعلوم الإسلامية والشرعية، ومؤسسة ذات حضور وتأثير يتجاوزان حدود العالم الإسلامي، ومن أبرز ما يميز المنهج الأزهري: أنه يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويقوم على الوسطية والاعتدال والانفتاح المستنير، مع التأكيد على قيم: التسامح، وقبول الآخر، واحترام التنوع، ولهذا نجد أن دولًا عديدة من مختلف أنحاء العالم تحرص على إيفاد طلابها وبعثاتها العلمية إلى الأزهر الشريف، للاستفادة من منظومته التعليمية والعلمية، التي لا تكتفي بتدريس العلوم الشرعية، وإنما تسهم كذلك في بناء شخصية متوازنة، قادرة على التعامل مع قضايا العصر، وفهم الآخر، والتفاعل معه بصورة إيجابية، وللأزهر الشريف أيضًا تجربة تاريخية ممتدة في إدارة الحوار داخل الإطار الإسلامي نفسه، إذ عمل على التقريب بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وتشجيع أتباعها على التعارف والحوار، والبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع بينهم، بما يساعد على فهم المواقف المتباينة وتقبلها، وإعذار بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه، بدلًا من تحويل مساحات الاختلاف إلى أسباب للفرقة والصراع، والتوجه بدلًا من ذلك إلى ما يخدم المجتمعات، ويسهم في تقدمها ونهضتها.

وكيف أدرك الأزهر الدور المحوري وأهمية الحوار؟

الأزهر الشريف أدرك في وقت مبكر أهمية الحوار بين الأديان والعقائد والملل والنحل، فكان له إسهام محوري في مد جسور التواصل مع المؤسسات العلمية والدعوية الإسلامية وغير الإسلامية، وفتح مساحات للحوار البناء والإيجابي بين ممثلي الأديان والمؤسسات المختلفة، سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه، والغاية من هذا الحوار، ليست مجرد تبادل وجهات النظر، وإنما الوصول إلى مساحات مشتركة، يمكن البناء عليها، وترسيخ القيم الإنسانية التي تتفق عليها الأديان والثقافات، وتعزيز مفهوم الأخوة الإنسانية، بما يرسخ ثقافة التفاهم والتعاون والاحترام المتبادل، وبالتالي فإن رسالة الأزهر الشريف في هذا المجال، تنطلق من الإيمان بأن بناء إنسان سوي في فكره وثقافته، لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، وإنما بفهمه وإدارته بالحكمة والحوار، وترسيخ الإيمان بالقيم المشتركة، الدينية والإنسانية، وتسخيرها من أجل خدمة الإنسان، وتحقيق الخير للبشرية، وبناء مجتمعات أكثر تعاونًا وتسامحًا واستقرارًا.

في وجهة نظرك: كيف يمكن التعامل مع الخلافات المذهبية بصورة إيجابية؟ وما الذي أدى إلى تحولها في بعض المراحل من مجال لإثراء الفكر والحوار إلى سبب للفرقة والصراع؟

كان من الممكن أن تمثل الخلافات المذهبية في أصلها مساحة رحبة لإثراء الحوار والنقاش، وتبادل الآراء والحجج والأدلة، والوصول إلى المواقف والأفكار من خلال منافسة علمية سلمية وسليمة، وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون عاملًا في بناء الفكر، وترسيخ القيم، وتكوين تدين رزين، وإنتاج رؤية متوازنة ومتزنة ووسطية، تقوم على العلم النافع، وتدفع نحو بناء الدولة والوطن وخدمة المجتمع، غير أن بعض هذه الخلافات، تحولت مع مرور الوقت، وفي مراحل مختلفة من التاريخ، من نعمة يمكن أن تثري الحياة الفكرية، إلى نقمة ألحقت أضرارًا بالغة بالمجتمعات، وأسهمت في تمزيق كيان الدول، وتفتيت أوصالها، وأدت إلى ظهور كيانات فكرية متعارضة ومتناحرة، تحولت في بعض الأحيان إلى صراعات ومواجهات، بدلًا من أن تكون منافسات علمية سليمة، تسهم في البناء والتقدم.

وكيف ترى هذه الإشكالية في إطار انتشار الاستقطابات المذهبية ونشر بؤر التطرف والإلحاد على حد سواء؟

مع غياب الحوار الرشيد، أصبحت بعض الاستقطابات المذهبية بيئة خصبة لزرع بذور التطرف والكراهية، والعداوة والتعصب والتناحر، وإشاعة النعرات والانقسامات، بما أضعف قدرة المجتمعات على توحيد جهودها، واستنزف طاقاتها، وأدى على امتداد التاريخ إلى تفتيت الجهود وتبديد مقدرات الأمة، والأخطر من ذلك: أن الانشغال بهذه الصراعات والاستقطابات، صرف المجتمعات عن أولوياتها الحقيقية، وفي مقدمتها: التنمية، والبناء، والصناعة، ورص الصفوف، وخدمة المجتمع، وتطوير قدراته، والمشاركة الفاعلة مع العالم في صناعة الاستقرار ومواجهة التحديات، وقد شهدت بعض المراحل التاريخية تحول الخلاف المذهبي إلى شر مستطير طال أصحابه قبل غيرهم، فأدى إلى تدمير مقدراتهم، وكياناتهم، وإمكاناتهم الفكرية والبشرية والمادية والمجتمعية، وأسهم في نشر الشقاق والخلاف والانقسام والكراهية والعنصرية، بدلًا من أن يكون الاختلاف مدخلًا للتعارف والتكامل وتبادل الخبرات.

وكيف نواجه هذه التحديات؟

إن مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية، وحماية الأوطان، تتطلب تجاوز الخلافات التي تستنزف الطاقات، وتوجيه الجهود نحو ما يجمع ولا يفرق، والتعاون بين الجميع من أجل بناء المجتمعات، وصون مقدراتها، وتحقيق الاستقرار والتنمية، بدلًا من الاستمرار في صراعات لا تخدم إلا الفوضى والانقسام، ومن هنا آن الأوان لهذه الطوائف والتيارات المذهبية أن تُحكّم العقل والمنطق والشرع، وأن تراجع مسيرتها، وتعود إلى رشدها، وأن تتخلى عن النظرة الضيقة، والمصالح الآنية، وأن تنتقل من حالة الانغلاق إلى رحابة التعاون، ومن العداء إلى التصالح، ومن الصدام إلى التفاهم، وأن تجعل من اختلافها مجالًا للتكامل لا سببًا للتناحر.

كيف ترى التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى التى نعيشها؟ وما هي المقاربات التي يمكن أن نعمل عليها لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية؟

هناك قضايا وتحديات عديدة تواجه الأسرة في الغرب، من الناحية الثقافية والدينية والفكرية والسياسية، ويأتي التحدي الديني في مقدمة هذه التحديات، خاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين، فالمجتمعات الغربية لديها قوانينها وأنظمتها الخاصة، بينما تحمل الجاليات العربية والمسلمة معها منظومة من الأحوال الشخصية والقيم والتقاليد المستمدة من بلدانها الأصلية، ومن هنا تظهر مشكلة كبيرة، تتمثل في تنازع القوانين، فعلى سبيل المثال: قد يكون الشخص مصريًّا أو مغربيًّا ويعيش في هولندا، ويرغب في أن تحكم بعض شؤونه الأسرية وفقًا للقانون أو الأحوال الشخصية في بلده الأصلي، بينما ترى الدولة التي يقيم فيها أن القانون الوطني الداخلي هو الذي ينبغي أن يسود، وتظهر المشكلة بصورة أوضح، عند حدوث خلافات زوجية، أو نزاعات تتعلق بعلاقة الآباء بالأبناء، إذ يحكم القاضي وفق القانون الوطني، وقد لا يراعي دائمًا الخصوصية الدينية والثقافية للأسرة المسلمة، وهنا تبرز الحاجة إلى دراسة موضوع تنازع القوانين الإسلامية والغربية، بالنسبة إلى الأقليات المسلمة في الغرب، والبحث عن آليات للتوفيق بين القانون الوطني في الدول الأوروبية، والقانون الدولي الخاص، وما يرتبط بالأحوال الشخصية في البلدان الأصلية للمسلمين، وهذا مجال يمكن أن تسهم فيه دار الإفتاء المصرية، والمؤسسات الدينية المصرية، بما لديها من خبرة، وتراث علمي وديني واسع، من خلال تقديم الاجتهادات والفتاوى التي تراعي واقع المسلمين في المجتمعات الغربية.

وهل تقتصرتحديات الأسرة المسلمة في الغرب على الجانب التشريعي؟

تحديات الأسرة المسلمة في الغرب لا تقتصر على الجانب التشريعي، فهناك تحديات ثقافية وفكرية واجتماعية، يأتي في مقدمتها: ضعف التعليم الديني، أو الأمية الدينية لدى بعض الأسر، وهو ما ينعكس على قدرة الآباء على التعامل مع أبنائهم في بيئة مختلفة ثقافيًّا وفكريًّا، كما نجد مشكلة صراع الأجيال، بين الجيل الأول والجيلين الثاني والثالث، أو بين الآباء والأبناء عمومًا، فالشباب يعيشون في مجتمعات مفتوحة، وفي عصر المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما يحاول الآباء الحفاظ على التقاليد والعادات والأعراف التي نشأوا عليها، وقد يرى الأبناء أن هذه التقاليد لا تتناسب مع واقعهم الجديد، وقد يمتد الأمر إلى بعض الممارسات الدينية، فينشأ نوع من التباعد بين الأبناء والآباء.

وكيف ترى دور المؤسسات الدينية والإعلامية في إيجاد حلول واقعية تراعي خصوصية الأسرة المسلمة وتحترم في الوقت نفسه قوانين الدول التي يعيش فيها المسلمون؟

دور المؤسسات الدينية لا ينبغي أن يقتصر على إصدار الفتاوى، أو عقد المؤتمرات، وإنما يجب أن تمتد هذه الجهود إلى المسلمين في الغرب، وأن تكون هناك مؤتمرات وندوات متخصصة، تبحث قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين في المجتمعات الغربية، وعلاقتها بالقوانين الوطنية، والقانون الدولي الخاص، بما يساعد على إيجاد حلول واقعية، تراعي خصوصية الأسرة المسلمة، وتحترم في الوقت نفسه قوانين الدول التي يعيش فيها المسلمون، كما أن هذا الجهد يحتاج إلى دور فاعل للإعلام؛ لأن الوعي بالقوانين والحقوق والواجبات يمكن أن يسهم في تجنب كثير من المشكلات، فإذا عرف الزوج حقوقه وواجباته، وعرفت الزوجة حقوقها وواجباتها، وعرف الأب والابن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمعهما، أصبح من الممكن التعامل مع الخلافات بصورة أكثر وعيًا وعدلًا، فالمطلوب إذن هو الانتقال من التنظير إلى التطبيق، ومن الحديث عن القيم والمبادئ إلى تحويلها إلى سلوك واقعي داخل الأسرة، فالعلاقة بين الزوج والزوجة، وبين الآباء والأبناء، لا ينبغي أن تقوم على مجرد معرفة نظرية، وإنما على الإيمان والعدل، والتكافل والتفاهم، والالتزام المتبادل، وبالتالي فإن قضية الأسرة المسلمة في الغرب: قضية تشريعية واجتماعية وثقافية ودينية في الوقت نفسه، ولا يكفي أن نتحدث عنها نظريًّا، بل يجب أن نبحث كيفية تطبيق القوانين والمبادئ على الواقع، وأن نعمل على بناء وعي حقيقي لدى أفراد الأسرة، بما يحفظ الروابط الأسرية، ويعالج التحديات التي تواجه المسلمين في المجتمعات الغربية.

مع انتشار وسائل الذكاء الاصطناعي والاستعانة به في كافة المجالات .. في وجهة نظركم كيف يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه في المجال الديني، وما حدود الاعتماد عليه في القضايا المرتبطة بالفتوى؟

يمثل الذكاء الاصطناعي وسيلة حديثة، تنضم إلى منظومة الوسائل والتقنيات التي أحدثت تحولًا كبيرًا في طريقة تداول المعلومات وانسيابها والوصول إليها، بما يمتلكه من قدرات متقدمة، تحاكي في بعض جوانبها القدرات البشرية، ولا سيما في تحليل المعلومات، والتعامل مع المشكلات، ومحاولة الوصول إلى حلول لها، والإسلام لا يمنع الاستفادة من الوسائل النافعة، بل يحث على طلب الحكمة، والأخذ بها أينما وُجدت، بصرف النظر عن مصدرها، ومن ذلك ما اشتهر من القول: «الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها»، ومن هذا المنطلق: يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جديدة يمكن الإفادة منها، وتسخير إمكاناتها فيما يحقق المصلحة، وينفع الإنسان والمجتمع، ومن ثم، لا ينبغي أن يكون التعامل مع هذه التقنية قائمًا على الخوف أو الرفض لمجرد حداثتها، وإنما ينبغي اقتحام هذا المجال، ودراسته، والاستفادة من إمكاناته، فإذا ثبتت فيه مصلحة حقيقية، فلا مانع من توظيفه في إطار الضوابط الشرعية والعلمية، وإذا أمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة محايدة ومنضبطة في المجال الديني، فقد يؤدي دورًا إيجابيًّا في خدمة المعرفة الدينية، وتيسير الوصول إلى المعلومات.

وهل من الممكن تطبيق ذلك على الفتاوى الشرعية؟

الأمر يختلف عندما يتعلق بالفتوى الشرعية؛ فالسؤال هنا يتجاوز مجرد جمع المعلومات، أو استرجاع النصوص، إذ تبنى الفتوى لدى الفقيه على مراحل متعددة، تبدأ بفهم سؤال المستفتي وواقعه، ثم دراسة القضية المعروضة، ومعرفة الأدلة المتعلقة بها، وتمييز الصحيح من السقيم والضعيف، ومناقشة الأدلة، وفهم دلالاتها، ثم الموازنة بينها، وترجيح ما يراه الفقيه أقرب إلى الصواب، وصولًا إلى تكوين الفتوى الشرعية المناسبة للواقعة محل السؤال، وهنا يظل السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على الإحاطة بكل هذه المراحل الدقيقة والمتشابكة، وليس فقط القدرة على الوصول إلى المعلومات والنصوص المتعلقة بالمسألة، ومن الممكن بالفعل محاولة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، لكن ذلك ينبغي أن يتم بدرجة كبيرة من الحيطة والحذر، مع إخضاع مخرجاته للتمحيص العلمي الدقيق، والمتابعة المستمرة، والمراجعة والمراقبة، وعدم التعامل مع ما يقدمه باعتباره بديلًا عن الاجتهاد الفقهي المتخصص، وإنما بوصفه وسيلة يمكن الاستفادة منها في حدود ما تثبته التجربة العلمية، والضوابط الشرعية.

كيف ترون دور المنظمة العالمية لخريجي الأزهر في نشر رسالة الأزهر الشريف ومنهجه الوسطي، وترسيخ قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تحديات فكرية وثقافية متزايدة؟

تضطلع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بدور مهم في حمل رسالة الأزهر الشريف إلى مختلف أنحاء العالم، باعتبارها جسرًا ممتدًا بين الأزهر وخريجيه المنتشرين في عشرات الدول، وتسعى من خلال فروعها وأنشطتها وبرامجها العلمية والفكرية، إلى ترسيخ المنهج الأزهري القائم على الوسطية والاعتدال، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي ارتبطت بالإسلام نتيجة خطاب التشدد والتطرف، وتعمل المنظمة على تعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر، والتأكيد على أن الاختلاف بين البشر سنة من سنن الحياة، وأن التنوع لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للصراع أو الكراهية، ومن هنا يأتي اهتمامها بنشر قيم التسامح والتعايش والسلام، وتعزيز المشتركات الإنسانية التي تجمع أبناء المجتمعات المختلفة، بعيدًا عن التعصب والانغلاق.
كما أن المنظمة لا تكتفي بالجانب النظري، وإنما تحرص على تقديم برامج تدريبية وفكرية ودعوية، تستهدف الأئمة والدعاة والطلاب والخريجين، بما يساعد على تكوين خطاب ديني مستنير، قادر على التعامل مع قضايا العصر، ويقدم الإسلام في صورته الصحيحة التي تقوم على الرحمة والعدل، وصيانة كرامة الإنسان، والأزهر الشريف عبر رسالته التاريخية، يؤكد دائمًا أن الإسلام دين يدعو إلى السلام والتعارف والتعاون، وأن الوسطية ليست موقفًا عابرًا، وإنما هي منهج متكامل في التفكير والفهم والممارسة، ومن ثم، فإن دور المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، يتمثل في ترجمة هذه الرسالة إلى واقع عملي داخل المجتمعات، من خلال خريجي الأزهر الذين يمثلون سفراء للمنهج الأزهري في بلدانهم.
وفي تقديري، فإن مواجهة التطرف لا تكون فقط بمواجهة الأفكار المتشددة، وإنما أيضًا ببناء وعي ديني وثقافي قادر على تقديم البديل الصحيح، ولذلك تحرص المنظمة على تأهيل الأجيال الجديدة من الخريجين، ليكونوا عناصر فاعلة في نشر قيم الاعتدال والحوار والتسامح، والإسهام في تحقيق الأمن الفكري والمجتمعي، إن رسالة المنظمة في جوهرها هي رسالة الأزهر نفسها: نشر العلم الصحيح، والدعوة إلى الاعتدال، واحترام الإنسان، وترسيخ ثقافة التعايش، وبناء جسور التواصل بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، بما يسهم في صناعة مجتمعات أكثر استقرارًا وتماسكًا وسلامًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى