اخبارحوار خاص

من رحاب الأزهر إلى العالمية .. د. هبة سعودي تكشف أسرار التميز في الفيزياء النووية بعد اختيارها عالميًّا ضمن أفضل 31 عالمًا في مجالها.

>> جامعة الأزهر قادرة على المنافسة العالمية في أدق التخصصات العلمية.. والذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة لتطوير الأبحاث

>> المعرفة العلمية أساس الأمان من مخاطر الإشعاع.. والبحث العلمي لا يجب أن يبقى حبيس المجلات الدولية

>> تحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية هو التحدي الحقيقي أمام الجامعات

>> أتمنى أن أرى عالمات مصريات وأزهريات كثيرات يحققن إنجازات أكبر في المستقبل

حوار- محمد رأفت فرج:

“أعتز بكوني ابنة الأزهر الشريف، وواحدة من أبناء مصر الذين يشاركون في رفع اسمها في المحافل العلمية الدولية”، بهذه الكلمات، استهلت الدكتورة هبة سعودي، أستاذ الفيزياء النووية وتطبيقاتها، ووكيل كلية علوم الرياضة بنات، بجامعة الأزهر، حوارها مع “موقع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر”، وذلك بعد إدراجها ضمن أفضل علماء العالم في مجال: المواد النووية والآثار الإشعاعية، حيث تطرق الحوار إلى آفاق توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أبحاث الفيزياء النووية، وضرورة تحديث أساليب تدريس العلوم بالجامعات المصرية، والانتقال من الحفظ النظري إلى التجربة والابتكار، فضلًا عن دور جامعة الأزهر في دعم التخصصات العلمية الدقيقة، وتعزيز حضور المرأة المصرية في مجالات البحث العلمي المتقدم، ورسالتها إلى الشباب والباحثين الطامحين إلى الوصول للعالمية، مؤكدة أن قيمة العلم الحقيقية ليست في ترتيب يحصل عليه الباحث، وإنما في الأثر الذي يتركه علمه في حياة الناس، وفي تقدم وطنه، وأن أبناء مصر والأزهر قادرون على تحقيق إنجازات كبيرة.

حصلتِ على المركز الـ31 عالميًّا في تخصص المواد النووية والآثار الإشعاعية.. بداية ماذا يعني لكِ هذا الإنجاز، وما الرسالة التي يحملها للباحثين المصريين؟

الحمد لله، هذا الإنجاز يمثل لي مصدر فخر وامتنان، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة، أنا أؤمن أن قيمة العلم الحقيقية ليست في ترتيب يحصل عليه الباحث، وإنما في الأثر الذي يتركه علمه في حياة الناس، وفي تقدم وطنه.
وأنا أعتز بأنني ابنة الأزهر الشريف، هذه المؤسسة العريقة التي أتشرف بالانتماء إليها، وأن أكون واحدة من أبناء مصر الذين يشاركون في رفع اسمها في المحافل العلمية الدولية، وأشعر أن أي إنجاز أحققه ليس إنجازًا شخصيًّا فقط، بل هو ثمرة منظومة من العطاء، بدأت بأساتذة تعلمت على أيديهم، وجامعة احتضنت مسيرتي، وأسرة كانت سندي بعد فضل الله.
وأحب أن أوجه رسالة إلى شباب الباحثين المصريين: ثقوا في قدراتكم، ولا تستصعبوا الوصول إلى المنافسة العالمية، فالطريق يحتاج إلى صبر واجتهاد وإخلاص، لكن أبناء مصر والأزهر قادرون على تحقيق إنجازات كبيرة، وأتمنى أن يكون نجاحي حافزًا لباحثين وباحثات، يحققون إنجازات أكبر، ويقدمون علمًا نافعًا لوطننا خاصة، وللإنسانية عامة.

ما أبرز المحطات العلمية التي أسهمت في تشكيل شخصيتكِ البحثية، وصولًا إلى هذا التصنيف الدولي؟

رحلتي العلمية لم تكن مرسومة منذ البداية بهذا الشكل، لكنها كانت رحلة من الاجتهاد، واكتشاف الشغف، فقد نشأت وتعلمت في رحاب الأزهر الشريف، الذي أعتز به كثيرًا، وتعلمت أن طلب العلم رسالة تحتاج إلى الصبر والانضباط والإخلاص.
بدأ اهتمامي بالفيزياء النووية يتشكل خلال دراستي الجامعية، بتأثير من أساتذتي رحمهم الله، الذين كان لهم فضل كبير في تكوين شخصيتي العلمية، وأخص بالذكر: الأستاذ الدكتور سمير الخميسي، والأستاذ الدكتور أحمد جمال، عليهم رحمة الله، مشرفيّ الذين تعلمت منهما الكثير والكثير، واعتبراني ابنة لهما، وفي بداية مسيرتي الأكاديمية، بدأت في تخصص فيزياء الحالة الصلبة، لكنني اكتشفت مع الوقت أن شغفي الحقيقي يتجه إلى الفيزياء النووية، فاتخذت قرار التحول إلى هذا المجال، وأعتبر أن هذه الخطوة كانت نقطة تحول مهمة في حياتي،
ومع مرور السنوات، حرصت على تطوير أبحاثي، والتعاون مع باحثين شركاء، من داخل مصر وخارجها، والإشراف على الباحثين الشباب، والمشاركة في نشر المعرفة العلمية، ولا أنسى أبدًا فضل أساتذتي، ولا دعم جامعتي، ولا دور أسرتي التي ساندتني في رحلتي، خصوصًا أن البحث العلمي يحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وأؤمن أن الإنسان لا يصل وحده، وأن كل نجاح وراءه أشخاص ومؤسسات كان لهم أثر في هذه الرحلة، وأهم درس تعلمته: أن الطريق قد لا يكون مستقيمًا دائمًا، لكن ما نظنه تأخيرًا قد يحمل لنا خيرًا، وأن الإصرار على التعلم والعمل هو ما يصنع الفارق.

يتعامل كثيرون مع الفيزياء النووية باعتبارها علمًا معقدًا وبعيدًا عن حياتهم اليومية.. كيف يمكن تبسيط هذا العلم وشرح أهميته للمجتمع؟
دائمًا أقول إن الفيزياء النووية ليست علمًا بعيدًا عن حياتنا، بل إن تطبيقاتها موجودة حولنا، حتى لو لم نكن نراها بصورة مباشرة.
عندما يُستخدم الإشعاع في تشخيص الأمراض، وعلاج بعض الأورام، أو تُستخدم التقنيات الإشعاعية في فحص جودة المنتجات الصناعية، أو في معالجة الأغذية، فنحن نتعامل مع تطبيقات عملية لهذا العلم،
فالمشكلة ليست في العلم نفسه، وإنما في طريقة تقديمه للناس، نحن بحاجة إلى أن نشرحه بلغة بسيطة، وأن نربطه باحتياجات المجتمع في الصحة والغذاء والصناعة والبيئة، ومن واجبنا كعلماء، وخاصة في مؤسسات عريقة مثل جامعة الأزهر، ألا يظل العلم حبيس الأبحاث، بل أن يصل إلى المواطن، ويفيده في حياته اليومية، فالعلم مسؤولية، والباحث الناجح ليس فقط من ينشر بحثًا في مجلة دولية، بل من يستطيع أيضًا أن يجعل الناس يدركون قيمة العلم، وأثره في حياتهم.

كيف تسهم التطبيقات النووية والإشعاعية في تطوير الطب والصناعة والزراعة، وما أبرز التطبيقات الواعدة في هذه المجالات؟
للتطبيقات النووية والإشعاعية دور مهم في تطوير قطاعات عديدة تمس حياة الإنسان بصورة مباشرة، ففي الطب، تُستخدم النظائر المشعة في التشخيص، والتصوير الطبي، ويُستخدم الإشعاع في علاج بعض الأورام، وفق ضوابط طبية دقيقة، وفي الصناعة، تُستخدم التقنيات الإشعاعية للكشف عن العيوب الداخلية في المواد واللحامات دون إتلافها، كما تُستخدم في القياسات الصناعية، وتطوير مواد أكثر كفاءة في الحماية من الإشعاع، أما في الزراعة والغذاء، فتسهم التقنيات الإشعاعية في مكافحة بعض الآفات، ودعم برامج تحسين النباتات، ومعالجة الأغذية لتقليل الميكروبات والحشرات، وإطالة مدة صلاحيتها وفق المعايير المعتمدة.
وهذا يرتبط مباشرة بجانب مهم من أبحاثي، وهو دراسة خواص المواد وقدرتها على الحماية من أشعة جاما، والنيوترونات، إلى جانب دراسة مواد جديدة يمكن أن تجمع بين الكفاءة والتكلفة المناسبة والاستدامة، بما في ذلك الاستفادة من بعض المخلفات الصناعية في إنتاج مواد ذات قيمة مضافة، وأنا أؤمن أن البحث العلمي يجب أن يكون له مردود عملي، وأن نعمل على تحويل نتائج أبحاثنا إلى تطبيقات تخدم الصناعة والصحة والبيئة. وهذا ما أتمنى أن نمنحه اهتمامًا أكبر في جامعاتنا المصرية، حتى يكون العلم أحد محركات التنمية الحقيقية في وطننا.

ما الفارق بين الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية وبين المخاوف المرتبطة بالتعرض للإشعاع؟ وكيف يمكن تعزيز الوعي المجتمعي بهذا الشأن؟
من المهم أن نوضح أن الإشعاع ليس شرًّا في حد ذاته، كما أنه ليس آمنًا في كل الظروف، فالمخاطر تعتمد على نوع الإشعاع، والجرعة، ومدة التعرض، وطريقته، وعلى طبيعة الاستخدام، والالتزام بإجراءات الوقاية، فالاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية تقوم على توظيف العلم لخدمة الإنسان، سواء في التشخيص والعلاج الطبي، أو في الصناعة والزراعة والبحث العلمي، مع الالتزام بمعايير الأمان والرقابة، أما التعرض غير المبرر، أو غير المنضبط، فقد يؤدي إلى أضرار صحية، ولذلك توجد قواعد علمية، وإجراءات وقائية، تهدف إلى تقليل التعرض غير الضروري، وحماية العاملين والجمهور.
ومن وجهة نظري، فإن تعزيز الوعي يبدأ من تقديم المعلومة الصحيحة بلغة بسيطة، بعيدًا عن التهويل أو التقليل من المخاطر. فالمعرفة هي أساس الأمان، والعلماء والمؤسسات التعليمية والإعلام عليهم مسؤولية مشتركة في نشر الثقافة العلمية، ودوري كباحثة وأستاذة جامعية لا يقتصر على إجراء الأبحاث، بل يمتد إلى توعية المجتمع، لأن العلم حين يقترن بالمسؤولية، يصبح وسيلة حقيقية لحماية الإنسان، وخدمة الوطن.

كيف ترين دور جامعة الأزهر في دعم التخصصات العلمية الدقيقة، وإثبات قدرة خريجيها وأعضاء هيئة التدريس بها على المنافسة عالميًّا؟

جامعة الأزهر بالنسبة لي ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي بيتي الذي أنتمي إليه وأعتز به، ومنها تعلمت أن العلم والأخلاق والرسالة الإنسانية أمور لا تنفصل.
أرى أن وصول علماء أزهريين إلى مواقع متقدمة في التصنيفات الدولية، يؤكد أن أبناء الأزهر قادرون على التميز والمنافسة في أدق التخصصات العلمية، وأن رسالة الأزهر لا تقتصر على العلوم الشرعية والإنسانية، بل تمتد إلى العلوم التطبيقية، والبحث العلمي المتقدم، وأعتز بأنني ابنة هذه المؤسسة العريقة، وأشعر أن أي نجاح أحققه هو جزء من نجاح جامعتي التي أتشرف بالعمل والانتماء إليها، ومن نجاح مصر التي أتمنى أن أساهم بعلمي في رفعتها.
وأتوجه بالشكر والتقدير إلى كل من دعمني في مسيرتي، من أساتذتي، وقيادات جامعتي، وزملائي، وشركائي في البحث العلمي.
وأؤمن أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من الاستثمار في المعامل الحديثة، ودعم الباحثين الشباب، وتوسيع الشراكات الدولية، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، وأتمنى أن ننتقل من الاحتفاء بالإنجازات الفردية، إلى بناء منظومة علمية متكاملة، تتيح لأجيال متتابعة من الباحثين فرص التميز والابتكار. فخدمة الأزهر ومصر لا تكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل المخلص، والعلم النافع، والأثر الذي يبقى.

في وجهك نظرك ماذا يعني وصول عالمة مصرية وأزهرية إلى هذا الترتيب الدولي بالنسبة إلى حضور المرأة في مجالات العلوم المتقدمة؟
هذا الإنجاز يحمل بالنسبة لي معنى يتجاوز الترتيب العلمي؛ فهو رسالة أمل لكل فتاة مصرية وعربية، بأن طموحها لا ينبغي أن تحده الصور النمطية، أو الاعتقاد بأن التخصصات العلمية الدقيقة حكر على أحد، فأنا ابنة الأزهر الشريف، وأعتز بانتمائي إلى مصر، وأتمنى أن يكون ما حققته دليلًا على قدرة المرأة المصرية على الإسهام في العلوم المتقدمة، والمنافسة عالميًّا، عندما تتاح لها الفرصة، وتجد الدعم المناسب.
ومن واقع تجربتي، أرى أن النجاح يحتاج إلى الاجتهاد، والتضحية، وتنظيم الوقت، كما يحتاج إلى أسرة متفهمة ومساندة، وأنا ممتنة لأسرتي، ولزوجي وأبنائي، الذين كانوا سندًا لي في رحلتي، وأدرك أن التوفيق بين المسؤوليات المختلفة ليس أمرًا سهلًا، لكنه ممكن بالدعم والصبر والاستعانة بالله، كما أنني مدينة بالفضل لأساتذتي رحمهم الله، الذين أسهموا في تكويني العلمي، ولجامعتي التي أنتمي إليها وأتشرف بتمثيلها.
وأقول لبناتنا: لا تخشين التخصصات الصعبة، ولا تسمحن لتعثر أو تأخر أن يوقف أحلامكن، تمسكن بالعلم، وثقن بقدراتكن، واجعلن هدفكن أن يكون لكن أثر نافع في المجتمع والوطن، وأتمنى أن أرى عالمات مصريات وأزهريات كثيرات، يحققن إنجازات أكبر في المستقبل.

كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات العلمية وتطوير الأبحاث في مجال الفيزياء النووية؟
الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في تطوير البحث العلمي، لأنه يساعد على تحليل كميات كبيرة من البيانات، واكتشاف الأنماط والعلاقات، وبناء نماذج تنبؤية يمكن أن تختصر الوقت والجهد، ففي الفيزياء النووية، يمكن الاستفادة منه في تحليل القياسات الإشعاعية، والتنبؤ بخصائص المواد، وتحسين تصميم مواد الحماية من الإشعاع، ودعم المحاكاة الحاسوبية، وتوجيه الباحث نحو التركيبات التي تستحق المزيد من الدراسة التجريبية.
على سبيل المثال، في أبحاث مواد الحماية من أشعة جاما والنيوترونات، يمكن الجمع بين النتائج التجريبية، والمحاكاة، والذكاء الاصطناعي، للمساعدة في تطوير مواد أكثر كفاءة، مع ضرورة اختبار التنبؤات، والتحقق من صحتها علميًّا.
لكنني أؤكد، أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، وليس بديلًا عن عقل الباحث أو خبرته، فلا بد من جودة البيانات، والتحقق من النتائج، والالتزام بالأمانة العلمية، وأتمنى أن تتوسع جامعاتنا المصرية، وجامعة الأزهر على وجه الخصوص، في تدريب الباحثين والطلاب على هذه الأدوات الحديثة، حتى نتمكن من مواكبة التطور العالمي، والمشاركة فيه، لا أن نكون مجرد متلقين لنتائجه.

هل تعتقدين أن الجامعات المصرية تحتاج إلى تغيير في أساليب تدريس العلوم، بحيث ينتقل الطالب من الحفظ النظري إلى التجربة والابتكار؟

نعم، أرى أن تطوير أساليب تدريس العلوم ضرورة مستمرة، بحيث لا يقتصر التعليم على حفظ المعلومات واسترجاعها في الامتحانات، وإنما يمتد إلى الفهم، والتجربة، والتفكير النقدي، والابتكار، فالأساس النظري مهم جدًّا، لكنه يحتاج إلى أن يصاحبه تدريب عملي، وتجارب معملية، ومشروعات بحثية، وأن نمنح الطالب فرصة للسؤال، والمناقشة، واكتشاف الحلول بنفسه.

وأنا أؤمن أن دور الأستاذ الجامعي ليس فقط نقل المعرفة، بل بناء عقل قادر على التفكير، وشخصية تتحلى بالأمانة العلمية والمسؤولية، وهذه القيم تعلمتها من أساتذتي، وأشعر أن من واجبي أن أنقلها إلى طلابي، كما أن علينا ربط المناهج باحتياجات المجتمع وسوق العمل، وتشجيع الطلاب على المشاركة في الأبحاث منذ سنوات الدراسة الأولى، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم.

وأتمنى أن نمنح شبابنا الفرصة الحقيقية ليكتشفوا قدراتهم؛ فمصر تمتلك عقولًا متميزة، والأزهر يمتلك تاريخًا علميًّا، ورسالة عظيمة، وما نحتاج إليه هو استمرار تطوير بيئة التعليم والبحث، حتى تتحول هذه القدرات إلى إنجازات تخدم وطننا على وجه الخصوص، وتخدم الإنسانية كلها على وجه العموم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Metode pembayaran situs toto dan penarikannya juga terbilang cepat dan aman.

sekolahtoto