يعد مصطلح:«الدولة الإسلامية» مصطلحًا متأخرا نسبيًا، أما التسمية التي اعتاد المؤرخون والفقهاء المسلمون على إطلاقها فهي «دار الإسلام»، وهي عندهم: الدار التي أكثرية سكانها من المسلمين، ويكون فيها المسلم والذمي آمنين بالأمان الأول، ولا يمنع أحد أحدًا من إقامة شعائره وعباداته. وكانت الدولة تنسب إلى أسرها الحاكمة: الدولة الأيوبية، والدولة العباسية، والدولة الأموية ….إلخ.
أما الحديث عن «الدولة الإسلامية» باعتبارها السلطة التي تتوافر لها الشرعية، فهي أيديولوجيا معاصرة، وهي من نتاج القرن العشرين الماضي، وهي قائمة على أفكار وتوجهات ظهرت في ظل الخوف على الهوية، من التغريب والاستعمار.
والهوية الدينية في الإسلام لا يحددها نظام حكم بعينه، بدليل أن رسول الله ﷺ لم يستخلف، واستخلف أبو بكر، وترك عمر الأمر شورى في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فالعبرة في الإسلام ليست بشكل الحكم، ولكن بتطبيق العدل على أرض الواقع.
وفي الأنظمة التي سادت في ديار الكثرة الإسلامية في الأزمنة المعاصرة جرى الإجماع على المواطنة التي تعني التساوي في الحقوق والواجبات، ومنها الحق في اختيار الحاكم بالانتخاب.
الخلافة الإسلامية:
تعد الخلافة الإسلامية نظامًا من نظم الحكم، ونظام الحكم ـ ككل النظم ـ هو مؤسسات وآليات تقيمها الأمة لتحقيق المقاصد والغايات والمصالح التي تتغياها، والتي تحدد معالمها المرجعية الفكرية أو الفلسفية أو الدينية التي تؤمن بها هذه الأمة.
والمقاصد الإسلامية، التي أقامت الأمة نظام الخلافة لتحقيقها هي في الأساس: تحقيق وحدة الأمة الإسلامية التي هي فريضة دينية، وضرورة حياتية، وتكامل أقطار دار الإسلام، بوصفها وعاءً للأمة ووحدتها، وتحقيق سيادة الشريعة الإسلامية في حياة الأمة، وذلك عندما تقوم الخلافة بحراسة الدين، وتسوس نظامها ومجتمعاتها بهذا الدين.
وقد تميزت الخلافة عن سائر نظم السياسة والحكم الأخرى بميزات عديدة جعلتها تنال شهادات غربية وعربية من القدماء والمحدثين بالتفرد والسبق؛ فلا هي سلطة الكهانة الثيوقراطية، ولا هي سلطة العقل والمصلحة المنفلتة من ضوابط الشرع والدين، ولا هي سلطة الغلبة والقهر والاستبداد، وإنما هي دولة «الأمة» و«الشريعة» جميعًا.
ومن نماذج الرؤى الحديثة لإحياء الخلافة الإسلامية: رؤية السنهوري باشا؛ فقد قدم أبرز الاجتهادات الفقهية والدستورية الحديثة، لإحياء الخلافة الإسلامية وتجديدها، وأكد أن إحياء الخلافة الإسلامية لابد أن تسبقه نهضات اقتصادية ولغوية وقانونية، تربط الأمة الإسلامية، وتمهد لقيام الخلافة الجديدة كنظام سياسي جامع، وعصبة أمم إسلامية.
وقد أخذت الخلافة من اهتمام المسلمين قدرًا كبيرًا، فأحدثت نزاعًا سياسيا وفكريا بين طوائف الأمة الإسلامية، ونتج عن هذا خلاف في كثير من الفروع الفقهية المتعلقة بها.
فاختلف العلماء فيمن يستحق ممن يتقلد رياسة الأمة أن يلقب بـ«الخليفة»، على أقوال، ولكن العرف العام جرى منذ صدر الإسلام على أن اسم «الخليفة» يطلق على كل من قام بأمر المسلمين القيام العام، ولا مانع في الشرع من أن نطلق على من يقوم بأمر الأمة أي لقب يدل على الرياسة العامة، مثل «رئيس الجمهورية» أو «رئيس الدولة» أو غير ذلك مما يفيد هذه الرياسة.
تناولت كتب الكلاميين والفقهاء موضوع الخلافة تحت عنوان: «الإمامة»، لا «الخلافة»؛ وذلك لأن الشيعة لما كانوا هم أول من بحث في المسألة، وكانوا يطلقون لقب “الإمام” على علي رضي الله عنه، ومن يسوقون إليه منصب الخلافة من بعده ـ سموا المسألة التي ثار النقاش حولها بينهم وبين مخالفيهم مسألة «الإمامة».
وقد رأى المستشرقون في الخلافة ميدانًا يدسون فيه أقلامهم طعنا على نظام الحكم في الإسلام بسبب التطبيق السيئ من بعض من تولوا هذا المنصب في عصور الإسلام؛ وأوجد هذا ذريعة لأعداء الإسلام للطعن فيه، وكان من هذا وصفهم الخلافة بأنها نظام استبدادي، وأن رئيس الدولة في الإسلام مستبد برأيه، لا يقف قانون أمام ما يراه.
ولا يوجد في الإسلام ما يوجب نظامًا سياسيا معينا، وإنما الواجب هو أن تكون الدولة ملتزمة بشرع الله تعالى ويمثلها الرئيس، أيا ما كان لقبه: خليفة، أو إماما، أو أميرا للمؤمنين، أو رئيسا للدولة أو رئيسا للجمهورية، أو أي لقب آخر يفيد هذا المعنى.
نظام الخلافة نظام مستحدث:
وبهذا يتضح أن نظام الخلافة نظام مستحدث، فليس في القرآن الكريم ولا في أحداث السيرة ما يشير إلى نظام محمدد للحكم في الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن المصالع للأحاديث التي ساقها مصنفو كتب الحديث في الإمارة ليس فيها أي تقنين لنظام الحكم، وأما يزعمه بعض أتباع الفرق المنحرفة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى من بعده لسيدنا علي بن أبي طالب، فكذب محض لم يصل غلينا بسند صحيح ولا ضعيف، بل كلها أقوال موضوعة مختلفة يرد عليها من كتبهم المعتمدة.
ويظهر استعمال لفظ «الخليفة» في عدد من الأحاديث بمعنى الحاكم أو الأمير، لكن أكثرها في الفتن والتنبؤات وأشراط الساعة، والكثير منها أحاديث ضعيفة لا تصح، والقليل الصحيح منها ربما استعمل هذا اللفظ بالمعنى الذي عرف فيما بعد.
ونظام الخلافة نظام مستحدث، استحدثته الظروف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وشعور المسلمين بضرورة وجود رجل على رأس هذه السلطة اصطلح على تسميته في حينها بالخليفة، وكان يمكن أن يسمى بتسمية أخرى، فالمسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدوا نظامًا يسيرون عليه في اختيار الحاكم، بل كانت الظروف هي التي تحدد ذلك، واختيار الخلفاء الأربعة شاهد على ذلك.
ومن هنا؛ فإن التنظير لقيام أحزاب دينية إسلامية تكافح للاستيلاء على السلطة، ويسعى بعضها لإقامة مؤسسة «الخلافة»، واعتبارها هدفًا رئيسًا من أهداف تطبيق الشريعة، فيه نظر شديد، ولا سيما حينما يصل بهم الأمر إلى عد مثل هذا الأمر جزءًا من الدين وتطبيقًا لشريعة الله.
زر الذهاب إلى الأعلى