
إن الإرهاب مرض نفسي وفكري وليس إفرازا لدين سماوي وأن الله وحده الذي يعلم إلى أين يتجه مستقبل البشرية القريب مع عصابات الموت، ومقاولي الشر، وسماسرة الدماء، كنا نظن أن ما حاق بنا، نحن العرب والمسلمين، في الشرق من آثار الدَّمار الذي طال البشر والحجر هو نهاية المأساة، وأن تدمير دول عربية وإسلامية بأسرها على رؤوس أهليها وتشريدَهم وهَيَمانهم على وجوههم في القفار والبحار، هو كل ما تخبئه لنا الليالي والأيام. لكنا فوجئنا به يتمدد غربًا وشمالاً وجنوبًا، كما تمدد شرقًا من قبل.
إن الإرهاب هو أولاً وأخيراً اعتقادٌ وفكرٌ، وأنه عند معتنقيه فلسفة حياة، يهون من أجلها الموت والانتحار، و ليس إفرازا لدِين سماوي أيا كان هذا الدِّين، بل هو مرضٌ فكريٌ ونفسِيٌ يبحث دائما عن مبررات وجوده في متشابهات نصوص الأديان وتأويل المؤوّلِين ونظرات المفسِّرين، ويُثبِتُ التاريخُ والواقعُ المعاصر أيضا أن بواعث الإرهاب ليست قصرا على الانحراف بالأديان نحو فُهومٍ مغشوشة مدلسة، بل كثيرا ما خرج الإرهاب من عباءة مذاهب اجتماعية واقتصادية بل وسياسية، وراح ضحية الصراع والحروب من هذه المذاهب والفلسفات المادية – التي لا تمت للدين بأدنى سبب – الآلاف بل الملايين من الضحايا والأبرياء.
لم يحدث أن اختلط الأمر في أذهان المسلمين بين هذه الجرائم وبين الأديان التي ارتكبت باسمها هذه الجرائم، وعلى الذين أقدموا على ارتكاب جريمة حرق المصحف وحرق بيوت الله في الغرب أن يعلموا أن هذه الأفعالَ هي -الأخرى-إرهاب بكل المقاييس، بل هي وقود للفكر الإرهابي الذي نعاني منه، فلا تردوا على الإرهاب بإرهاب مماثِل، وليس من المنتظر أبدا ممن يزعمون التحضر والتقدم إهانة مقدسات الآخرين على مرأى ومسمع من الناس.



