
لقد صَدَرَتْ بيانات وتوصيات لا يُستهان بقَدْرِها في الدَّعوةِ إلى الحوارِ بين الحضارات، وضرورة الالتِقاء على أمرٍ جامعٍ بينها من أجلِ إنقاذ عالَمنا المعاصر من مخاطر الصِّراع والسَّلام المتوتِّر، وحروب الأمس الباردة، وحروب اليوم الملتهبة. ورُغم هذه الجهودِ المشكورة من حكماء الغرب والشرق، إلَّا أنَّ الطريقَ لا يزال وَعْرًا، وأنَّ جهدًا أكبرَ يجب أن يبذل، وقد تأمَّلتُ هذه المفارقة اللامنطقية بين الواقع والمأمول، وبدا لي أنَّ السبب قد يعود إلى وجود عقبات على طريق الحوار، وأنَّ الاشتغال بالتركيز على هذه العقبات: تشخيصًا وعلاجًا رُبَّما كان أجدى وأكثر اختصارًا لهذا المشوار الطويل.
إن أوَّل ما أوَد تأكيده في هذا الشأن هو اقتناعي بأن الشرق: أديانًا وحضاراتٍ ليست له أيَّة مُشكلة مع الغرب، سواء أخذنا الغرب بمفهومِه المسيحي المتمثل في مؤسَّساته الدينيَّة الكبرى، أو بمفهومِه كحضارة علميَّة ماديَّة، وذلك من منطلق تاريخ الحضارات الشرقيَّة ومواقفها الثابتة في احتِرام الدِّين والعِلم أيًّا كان موطنهما وكائنًا من كان هذا العالِم أو المؤمن.
وما أظنُّ أنَّ هذه القضيَّةَ بحاجةٍ إلى البرهنة والاستدلال، فحضارة الأندلُس في قلبِ أوروبا قديمًا، وانفِتاحُ الأزهر الشريف على كل المؤسَّسات الدينيَّة الكبرى في أوروبا حـديثًا، والتجـاوبُ الجـاد المسـئول من قِبـل هـذه المؤسَّسات الغربية أقوى دليل على إمكانيَّة التقارُب بين المجتمعات الإسلاميَّة في الشرق والمجتمعات المسيحيَّة والعلمانيَّة في الغرب، وأنَّ هذا التقارُب حَدَثَ ويُمكِن أنْ يحدُث؛ وليس أمره كما قال الشاعر «كيبلنج»: «الشرق شرق والغرب غرب، وأبدًا لن يلتقيا».
وهنا أتذكَّر بحوثًا حديثة لبعض الغربيِّين المتخصِّصين في قضية الحوار الإسلامي المسيحي، يستدعون فيها تاريخ النَّمط الأندلسي بثقافاته الثَّلاث: اليهوديَّةِ والمسيحيَّة والإسـلاميَّة، للاهتداء بهذا الأنموذج في رسـم خارطـةٍ لمسـار الحوار الجاري حاليًا، وتصميم «إطـار نظري وتطبيقي لقواعد هذا الحـوار وأغراضه الأساسية»، وبخاصةٍ بعد ما بُذلت جهودٌ غربيَّة مُعاصِرَة جاوبتها جهودٌ شرقيَّة لدفعِ مَسيرة الحوار بين الإسلام والغرب، في مقدمتها: قرارات مَجْمع الفاتيكان الثاني (1962-1965)، وزيارة البابا بولس السادس لبعض الدول العربيَّة وعلى رأسها دولة فلسطين، وإعلانُ الأمم المتحدة تبني مشروع تحالُفِ الحضارات عام 2004م، والذي شجَّعَ على عَقْد مُؤتمرات حوار عالميَّة في الغرب والشرق، وكذلك زيارة البابا فرنسيس لمصر، ومشاركتهُ في افتِتَاح مُؤتمر الأزهر العالَمي للسَّلام، وتبادل الزيارات بين الأزهر ورئيس أساقفة كانتربري، ومجلس الكنائس العالمي في جنيف والكنيسة البروتسْتَانتيَّة بألمانيا، وقد شَعَر هؤلاء المتخصصون بما يَشْعُر به كل مهموم بقضيَّةِ «السَّلام الضَّائع»، من المصاعب والمتاعِب التي تقف حجر عثرة في طريقِ الجهود المبذولة محليًّا ودوليًّا، وتُباعد بينها وبين النتائج المحدودة التي تتمخَّض عنها هذه اللِّقاءات.



