
نشر فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بسوهاج، مقالُا، على صفحته الرسمية “فيسبوك”، بعنوان: “حب الأوطان وسعادة الإنسان”، للأستاذة الدكتور فاطمة المهدي – وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بسوهاج وعضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بسوهاج.
قالت: من المعلوم أن للوطن منزلة عزيزة في نفوس أبنائه، ومن أجل فهو من صور الإيمان؛ ولهذا هو أغلى من كل الأثمان، فالوطن يعني الإنسان
والوطن له اعتبار في كل الأديان، ومِن أجله سنَّ خير الأديان ركنًا من أعظم الأركان، وهو الجهاد في سبيل الله؛ فالدفاع عن الوطن والذَّود عن حماه يعكس إيمانًا بالله.
قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ [النساء: 66]، تسوية بين القتل والخروج من الأوطان.
وقال تعالى أيضًا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246]، فجعل القتال ثأرًا للجلاء، وجِلاد الأعداء انتقامًا للتهجير من الديار.
ونبينا عليه الصلاة والسلام أحبَّ وطنَه وشغف به، واستغرب حينما أخبره وَرَقةُ بن نَوْفَل أنه سيُخرِجه قومُه من وطنه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أَوَمُخْرِجيَّ هم؟!))، فهو لا يستغرب ردهم لدعوته ورفضهم لرسالته، ولكنه يعجب أن يتمادوا في ذلك إلى درجة أن يخرجوه من وطنه، ويمارسوا عليه هذا النوع من التعذيب النفسي والجسدي والروحي، فطالَما تعلَّقت روحه بشِعاب مكة، ولطالما طوفت بين سككها وضواحيها؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام مخاطبًا الدار التي أحبَّ، والبلد التي هامت بها روحه وأُنشِزت فيها عظامُه، ونبت فيها لحمه: ((علمتُ أنك خير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله عز وجل، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت))، وباح بهذا الحب في المدينةِ، حينما أصابت الحمى أصحابه بالمدينة المنورة بعد الهجرة فاشتكى أبو بكر رضي الله عنه ، وكان إذا أخذته الحمى يقول:
كلُّ امرئ مصبَّحٌ في أهلِه ** والموتُ أدنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ.
وحينما أصابت الحمى أيضا سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه بعد الهجرة أنشد قائلا :
ألا ليتَ شِعْرِي هل أبيتنَّ ليلةً
بوادٍ وحَوْلي إِذْخرٌ وجَلِيلُ
وهَلْ أَرِدَنْ يومًا مياهَ مجنَّةٍ
وهل يَبْدُوَنْ لي شامةٌ وطَفيلُ
ثم دعا قائلا: اللهم العَنْ عُتبة وشيبة وأميَّة بن خلف، كما أخرجونا من مكة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقُوا، قال: ((اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكةَ أو أشد، اللهم صحِّحها وبارِك لنا في صاعها ومُدِّها، وانقل حُمَاها إلى الجُحفة))، وكان المولود يولد بالجحفة، فما يبلغ الحُلُم حتى تصرعه الحمى.
وروى ابن الجوزي بسنده عن أبي بكر الهذلي، عن رجال من قومِه: أن أصيلًا الهُذَلي قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فقال: ((يا أصيل، كيف تركت مكة؟))، قال: يا رسول الله، تركتُها وقد ابيضَّت بطحاؤها، واخضرت مسلاتها، يعني: شعابها، وأمشر سلمها، والإمشار: ثمرٌ له حمرة، وأعذق إذخرها، والإعذاق: اجتماع أصوله، وأحجن ثمامها، والإحجان: تعقفه، فقال: ((يا أصيل، دع القلوب تقر، لا تشوقهم إلى مكة)).
يقول الجاحظ في رسائله: “ومِن أصدق الشواهد في حب الوطن أن يوسف عليه السلام لَمَّا أدركته الوفاة أوصى أن تحمل رمته إلى موضع مقابر أبيه وجده يعقوب وإسحاق وإبراهيم عليهم السلام، ورُوِي لنا أن أهل مصر منعوا أولياء يوسف مِن حمله، فلما بعث الله موسى عليه السلام وأهلَك على يدَيْه فرعون وغيره من الأمم، أمره أن يحمل رمته إلى تربة يعقوب بالشام، وقبره علم بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حسامي، وكذلك يعقوب مات بمصر فحملت رمته إلى إيلياء، قرية بيت المقدس، وهناك قبر إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام”؛ انتهى كلام الجاحظ.
وقديمًا كانت العربُ إذا سافَرَتْ حملَتْ معها من تربة بلدها تستشفي به عند مرض يعرض، وذكروا أن إسفنديارد اعتلَّ في بعض غزواته، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: شمة من تربة بلخ، وشربة من ماء واديها، واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان مأسورًا بها، وكانت بنت ملكهم قد عشِقَتْه، فقالت له: ما تشتهي؟ فقال: شربة من ماء دجلة، وشميمًا من تراب إصطخر، فغابت عنه أيامًا، ثم أتَتْه بماء من الفرات، وقبضة من شاطئه، وقالت: هذا من دجلة، وهذه تربة أرضك، فشرب بالوهم، واشتم من تلك التربة، فنقه مِن علته، فلما جاء الإسلام أبان عن صحة ذلك الفعل، وترك عليه لمسته الربانية، فدلَّنا نبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك على ترياق عجيب ودواء مجرب، ذي صلة بالوطن وتراب الوطن وهواء الوطن.
فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: ((بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفَى سقيمنا، بإذن ربنا))؛ رواه البخاري.
وتعليلُ هذا الأمر العلمي – على ما أراه – أن هذا الجسم الذي يحتويك إنما دخل في تكوينه الهواء الذي تتنشقه في هذا البلد، وسرى فيه الماء الذي يجري في هذا البلد، وخالطه التراب الذي أنبت طعامك وشرابك، فصار بالنسبةِ لجسمك أحدَ الأخلاط التي يعرفها ولا ينكرها، ويقبلها ولا يرفضها، ويستدعيها ولا يصبر عنها، فإذا فارقه مدةً اضطرب الجسم وأنكر ما جد عليه من هواء وتراب، وطعام وشراب، ولربما مرِض وهزل وسقم حتى يعاد إلى أصل تلك الأجواء التي كان فيها، وهو التراب.
وحب الوطن فطرة يُفطَر الإنسان عليها، وخلة يجبل عليها ويُعجَن بها، وطبيعة تولد معه وتوجد في البدن ولا تخرج إلا إن أدرج في الكفن، يقول ابن الجوزي: وفطرة الرجل معجونة بحب الوطن، ثم إن الإبل تحن إلى أوطانها، والطير إلى أوكارها، وما أروع قول ابن الرومي:
وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ
مآربُ قضَّاها الشبابُ هُنالِكا
إذا ذكَرُوا أوطانَهم ذكَّرتْهمُ
عهودُ الصبا فيها فحنُّوا لذالكا
وعن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: عمرت الدنيا بحب الأوطان. وعن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال: ما عالجتُ شيئًا أشد من منازعة النفس للوطن.
وقال عبدالملك بن قُرَيْبٍ الأصمعي: سمعتُ أعرابيًّا يقول: إذا أردتَ أن تعرف الرجل فانظر كيف تَحبُّبُه إلى أوطانه، وتشوُّقُه إلى بلدانه
وحب الوطن يقلل الكثير، ويكثر القليل، ويزهد في النعيم، ويرغب في أدنى خصائصه ومزاياه، نذكر في هذا المقام ميسون بنت بحدل، أم يزيد بن معاوية، التي جاء بها معاوية من البدو وأسكنها فاره قصوره، وأقامها في عزيز نعيمه، ولكن كل ذلك لم يطرف عينها، ولم يصرف قلبها عن الوطن، وكانت تبكي الليالي الطوال، وتتغنى بكوخها الصغير هناك، وتحن إلى قط ألفته، وجارة صادقتها، وخادمة اعتادت الجلوس معها، وتقول:
لبيتٌ تخفق الأرواحُ فيه
أحبُّ إليَّ مِن قصرٍ منيفِ
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني
أحبُّ إليَّ مِن لبسِ الشفوفِ
والوطن مهما كانت أحواله، فإن أبناءه المخلصين الصادقين لا ينصرفون عنه حبًّا ، يقول ياقوت الحموي – في كتابه الشهير معجم البلدان – عن بلدٍ اسمها سيراف، وينسب إليها الإمام السيرافي النَّحْوي، فيقول: ولقد رأيتُها وليس بها قوم إلا صعاليك، ما أوجب لهم المقام بها إلا حب الوطن.
– ومن مظاهر حب الوطن:
• أن تحترمَ قانون البلد الذي أنت فيه وأنت منه.
• أن تصون أرضَه وسماءه، وترابه وماءه، ومنافعه ومرافقه.
• أن تردَّ له الدَّين الذي له عليك، والفضل الذي له في رقبتك، فتُقدِّم له أعمالًا جليلة، وتنتج له نتاجًا صالحًا ونافعًا وكبيرًا.
• التكافل والتضامن بين أبناء الوطن في سبيل تقدمه وازدهاره، وأن الوطن نعمة كبرى تستوجب الشكر لله تبارك وتعالى. “اللهم احفظ بلادنا وبارك في أوطاننا وأصلح أحوالنا وصلى اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين”



