بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب: «قواعد الجماعة الجهادية» لأبي حمزة المقدسي
بقلم: حمد الله الصفتي
الحمد لله كما ينبغي لجلاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله. وبعد:
كلنا يعلم أن أجواء عالمنا العربي والإسلامي مجرثمة. الخطط محبوكة، والخيوط موصولة متشابكة، والهدف منها القضاء على الحضارة الإسلامية، وتجريد الأمة من حقوقها وثرواتها.
إذن فتحديد العلاج والعمل على استعماله، لا يغنيان شيئًا عن العمل على تنقية الجوِّ من الجراثيم التي تبعث ـ شئنا أم أبينا ـ على نشر هذا المرض.
وربما كان النظر العلمي الدقيق فيما يعتمده هؤلاء المتطرفون من مبادئ وأفكار مغلوطة، هو الخطوة الأولى لتخليص المجتمع المسلم، بل المجتمع الدولي كله، من عاقبة هذا الوباء الذي يهدد كيان الأمة من الجذور.
ومهما كانت الظروف التي نمرّ بها، ومهما اشتدت الخطوب التي تتجه بالكيد إلى قيمنا وحقوقنا، ومهما كانت السبل المتجهة إلى ذلك مكشوفة، فلن يكون هناك أي مبرر لترك التعاليم الشرعية وتجاهل الأحكام الفقهية التي هي محل إجماع الأمة.. بل ينبغي أن نعلم أن خير علاج للخطوب التي نعاني منها والخطط التي تتجه إلينا بالكيد والمحق، هو الالتزام بتعاليم الشرع الشريف التي قررها الأئمة الفقهاء المرضيون، والتي تولاها بالصيانة والرعاية مدارس الإسلام الكبرى، وعلى رأسها الجامع الأزهر الشريف.
فهل يتفق تأكيد الالتزام بشريعة الله تعالى وأحكامه، مع ما يقدم عليه هؤلاء الذين يرفعون فوق رؤوسهم راية الإسلام، من هذا التقتيل والتفجير الذي تدور رحاه على خليط من الناس تمازج فيه المسلمون مع غيرهم، على أرض إسلامية لم يُستعلن فيها بحرب على أحد، ولم يتخصص رواق العهد والسلم فوقها لفئة دون أخرى أو لمذهب دون مذهب؟ هل يتفق تفجير المساجد قبل البيوت مع أحكام الشريعة الغراء؟
لقد طالعت كتاب «قواعد الجماعة الجهادية»، الذي كتبه المسمى: أبو حمزة المقدسي، وفي تصريحاته الصحفية المنتشرة على مواقع الإنترنت ما يغني عن النظر في عقله أو ديانته، وقد رأيت بعد التحليل الدقيق لكتابه هذا أنه يشتمل على مجموعة من المغالطات الفكرية ألخصها في النقاط الآتية:
ـ لقد سمى الكتاب: «قواعد الجماعة الجهادية»، وهو إعلان صريح على اعتبار هؤلاء أنفسهم جماعة خاصة مستقلة عن جماعة المسلمين الموجودين في المجتمع، واستقلالهم دونهم بأحكام وقواعد، وهو ما ينافي مبدأ الوحدة الإسلامية في العقيدة والعمل والأخلاق.
ـ احتوت مقدمة الكتاب ثناء على أمثال: محمد عطا، وزياد جراح، ومروان الشحي([1])، وغيرهم من رجال تنظيم القاعدة، المعتبرين في حكم الشريعة الغراء من القتلة المفسدين في الأرض، لتنفيذهم عمليات تفجيرية لأخلاط من الناس الأبرياء، تمازج فيها المسلمون مع غيرهم.
ـ اتخاذ تلك الجماعة الكتمان مبدأ لدعوتهم، وهو ما يخالف منهاج الهداة الربانيين من الصدع بالحق، لا سيما في ديار الإسلام التي لا يضيق فيها على المسلم الصادق أن يجهر بقالة الصدق، مما يدل على خطأ ما يعتقدون، وعلى وجود الريبة فيما يعتنقون.
ـ اهتمامهم بتربية أعضاء جماعتهم على عقيدة خاصة، هي المنبثقة من عقيدة الجماعات السلفية العلمية كما يسمون أنفسهم، وهي التي تضيق دائرة الإيمان وتوسع دائرة التكفير، خلافا لمنهج أهل السنة والجماعة: الأشاعرة والماتريدية.
ـ إلزام أعضاء الجماعة بالبيعة على الطاعة، من غير نقاش ولا جدال، حتى فيما يخالف ظاهر الشريعة من قتل الأبرياء وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، مما يقضي لهم بالسيطرة الكاملة على أتباعهم الذين يستعملونهم أداة في تنفيذ مخططاتهم الأثيمة([4]).
ـ الاستشهاد ببعض الآيات في غير موضعها، وتحميلها ما لا يحتمل من المعاني، كقوله: ﴿فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا﴾ [النساء: 84]. وتنزيلها على المسلمين الموجودين في بلاد الإسلام، وعلى النصارى غير المقاتلين الموجودين فيه.
7ـ المغالطة بأن السبب في وجود الجماعة واستعمالها للسلاح هو رغبتهم في ألا يسود الكفر، وأنهم يتبعون في ذلك السلف الصالح، ويحمون المستضعفين في الأرض([6])، وهي دعاوى إذا أردنا بيان خطئها، فخير لنا أن نصمت جميعاً، وأن نصغي إلى ما يقوله رسول الله ﷺ: «من خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي بعهد لذي عهدها، فليس مني» [رواه مسلم، برقم: 1848].
إنه وصف دقيق لأعمال هؤلاء الذين يمزقون شرعة الإسلام باسم الإسلام، ويتجاهلون وصايا رسول الله ﷺ، ولا يبالون ـ وهم ماضون في مخالفة هديه ـ بتبرّئه منهم.
كلنا يعلم أن الأجانب الذين يجوبون في بلادنا الإسلامية تجاراً أو سائحين، أو رسل لقاءات اجتماعية أو علمية أو سياسية، إنما يسمون في مصطلح الفقه الإسلامي معاهدين أو مستأمنين، نظراً إلى أنهم إنما دخلوا بلاد الإسلام بعلم أولي الأمر وإذنهم. وقد حذر رسول الله ﷺ في هذا الحديث وغيره، من نكث الوفاء بالعهد مع هؤلاء المعاهدين أياً كانوا وإلى أي المذاهب انتموا، ولأيّ المهام السلمية جاؤوا، وأعلن براءته ممن نقض عهدهم بأي إساءة إليهم.
وربما يقال: أرأيت لو أنهم كانوا ـ وهم في ديارهم ـ حربيين، بحكم إعلانهم الحرب على الإسلام أو على المسلمين، أليس من المطلوب محاربتهم وقتلهم أينما وجدوا؟
والجواب: أن آية في كتاب الله تعالى بينت الحكم الذي ينقاد له المسلمون في التعامل مع هؤلاء الناس، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6].
إن هذه الآية تحمل دلالة قاطعة على أن الجهاد القتالي لم يشرع لحمل الكافرين قسراً على الإسلام، وإنما شرع لدرء خطر الحرابة عن المسلمين. فكلما ابتعد هذا الخطر عن المسلمين، ابتعدت معه مشروعية الجهاد القتالي. إذ لو كان المراد من الجهاد حمل الكافرين على الدخول في الإسلام، لما جاز ترك هذا المشرك يعود إلى فئته (بعد أن دخل دار الإسلام) كافراً فضلاً عن أن يتحمل المسلمون مسؤولية إبلاغه مأمنه.
ـ اتهامه لحكام المسلمين والعرب بالردة والكفر، وتوعدهم بنار جهنم في الآخرة، بل كثيرًا ما يعبر بكلمة «المرتدين» عن المسلمين([8])، وهو ما يخالف معتقد أهل السنة الذين لا يحكمون على أحد بالكفر إلا إذا جحد ما أدخله في الإيمان. ولا يقطعون لأحد بنار ولا جنة، لعلمهم بأن ذلك من التألِّي على الله.
ـ إقرارهم بأن أمير جماعتهم له وحده صلاحية إعطاء الأوامر، وليس ملزما برأي أحد، ولا حتى بمبدأ الشورى. وهو ما يخالف صريح القرآن الذي زعموا أنهم يطبقون أحكامه وتعاليمه!!
ـ اعتبارهم قضية الولاء والبراء أساسًا في التعامل مع الناس، وعليه فهم يقسمون المجتمع الإنساني إلى معسكرين: كفر وإيمان، فالإسلام عندهم قومية تقف ضد بقية الإنسانية، وهو مالم يقل به رسول الإسلام نفسه، بل قال الله له: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: 107].
ـ دعوتهم ـ حسب قوله ـ إلى تطهير بلاد المسلمين من خنازير النصارى واليهود وأعوانهم من العرب ومن شاكلهم. وهو اعتداء صريح على ما تقرر في شريعة الإسلام من عهود الذمة، إضافة إلى تكفير المسلمين الذين يتعايشون مع إخوانهم في الوطن الواحد في سلام وأمن.
ـ الضعف العلمي الظاهر لهذا المؤلف في علم الحديث أيضًا، حيث يذكر حديث أبي الدرداء: «قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه». ثم يقول: حسنه ابن النحاس!! وهو حديث في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير. فالرجل لا يفهم قواعد تخريج النص والحكم عليه؛ إذ الاعتماد على ابن النحاس ليس بشيء في هذا الباب.
ـ استخدام الجماعة لوسائل التخفي، كحلق اللحية، وترك اللباس الإسلامي (حسب تعبيره)([13])، وهو ما ينافي ما يصدِّعون به رؤوس المجتمع من المحافظة على السنن، والتمسك بها. ولكنهم اعتادوا على أن يباغتوا الناس بجرائمهم في الظلام، وينشروا ـ متخفّين ـ أسباب الرعب وعوامل القتل والدمار بين المسلمين البرآء، والداخلين في ذمتهم من الوافدين المستجيرين.
ـ تدريبهم لأعضاء الجماعة على القتل بالسم، وبالقنص، وبالاغتيالات([14]). وهو ما لا نعرف أن رسول الله استعمله في التعامل مع أعدائه أبدا، إذ السم كما هو معلوم: «سلاح الجبناء». إن المجاهد الحقيقي: هو رجل صاغته التربية الإسلامية، فنشأ في ظلّها شريفاً شهماً، يواجه العدوان ويبارزه جهراً، ولا يتسرب إلى الناس البرآء الآمنين في غبش الظلام فيفجر عليهم مساجدهم وبيوتهم، ثم يسرع فيختفي عنهم في المنعرجات وداخل الحجور.
ـ تأكيدهم على العلاقة الأخوية التي تجمع بينهم وبين باقي الحركات الجهادية العالمية والتعاطف المستمر معهم، حيث تربطهم ـ على حسب قوله ـ عقيدة سليمة، ومنهج أهل السنة والجماعة([15]). مما يؤكد اتفاق هذه الجماعات كلها في الأفكار والمعتقدات والأهداف، حتى وإن اختلفت المسميات والمظاهر، فلذا يجب الوقوف في وجهها كلها سواء بسواء، لا فرق بين جماعة وأخرى، إذ من يتبنون المنهج النظري اليوم، إما أنهم يغذون الجماعات المسلحة بالوقود الذي تحتاجه من الشباب عن طريق زرع تلك الأفكار في المجتمعات، وإما أنهم سيتحولون هم أنفسهم بعد مدة إلى القتال التطبيقي واستعمال العنف والإرهاب، كمفرزات طبيعية لما اعتنقوه من أفكار سابقة.
ـ وجود مرجعيات خاصة لهذه الجماعة، تبرر لهم شذوذاتهم الفكرية والسلوكية بين يدي أعمالهم الإجرامية. مما يؤكد أننا بحاجة ماسة ـ إن أردنا القضاء على هذه الجرائم السوداء التي ترتكب باسم الجهاد الإسلامي ـ إلى أن نجمع مرجعياتنا الفقهية الرسمية في مرجعية واحدة، مؤلفة من عدد كبير من العلماء الموثوق بعلمهم والمعروف تحررهم من أسبقيات المصالح الحزبية والسياسية، المشهود لهم بالاستقامة والتقوى، على أن تنبثق هذه المرجعية من الأزهر الشريف، وعلى أن تكون هي وحدها المخولة في إصدار الفتاوى الشرعية، والسبيل إلى ذلك العمل بالوسائل الإعلامية الممكنة على بث الثقة بها، دون غيرها، في الأوساط الإسلامية كلها.
هذا أهم ما جاء بالكتاب من أفكار سوداوية، نسأل الله تعالى أن يحمي الأمة من عواقبها، وما ذلك على الله بعزيز، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
وكتب: حمد الله حافظ الصفتي مصر ـ القاهرة 1436 هـ
زر الذهاب إلى الأعلى