توصيف الكتاب:
عنوان الكتاب: إتحاف الأنام بذروة سنام الإسلام
المؤلف: أبو عمر حسام بن أبي بكر
الطبعة: الأولى
اشتمل هذا الكتاب على مقدمة، وتمهيد، وأربعة أبواب، وفهرس.
اشتمل التمهيد على ثلاثة مباحث هي:
الأول: السنن الكونية القدرية، والسن الشرعية.
الثاني: التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب.
الثالث: تقديم حفظ الدين على حفظ النفوس.
والأبواب عناوينها كالتالي:
الباب الأول: تعريف الجهاد ويتضمن شبهات والرد عليها.
الباب الثاني: فضل الجهاد والتحريض عليه.
الباب الثالث: حكم الجهاد، وانواعه، وفيه شبهات والرد عليها.
الباب الرابع: ذكر أخبار بعض العلماء والأئمة الأعلام.
ملاحظات عامة على الكتاب:
-
الإندفاعية والتهور والحماسة في غير موضعها, وقد ظهر ذلك جليًا في مقدمته.
-
التعميم ورفض التعددية الفكرية والمذهبية المتمثلة في الرأي والرأي
الآخر.
3- الاعتماد على أقوال ابن تيمية, وابن القيم، وسيد قطب رحمهم الله.
4- الجنوح إلى فكرة التكفير خاصة التكفير بالذنب.
5- الكتاب فيه بعض الحق وكثير ما جانبه صواب.
6- الفهم المغلوط للنصوص وأقوال الأئمة خاصة ابن تيمية رحمه الله.
7- أخذ كلام ابن تيمية الذي قاله في جهاد التتار وأنزله على العصر
الحاضر وشتان الفارق.
8- التحامل الواضح على المخالفين له في الرأي، والتشنيع وكأن المسألة
لم يرد فيها إلا قول واحد.
بعض الردود الهامة على ما ورد في الكتاب
& الرد على قول المؤلف: الحكام طواغيت يجب جهادهم، ومحاربتهم
ذُكرت كلمة الطاغوت، والطواغيت في ثنايا الكتاب ما يقرب من خمس عشرة مرة في سياق أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، ويعطلون شرع الله، ويحولون بين الناس وتعبيدهم لله؛ ولذا يجب مواجهتهم، وجهادهم، والوقوف في وجوههم. فيجدر بنا إذن أن نعلم ماهو الطاغوت وهل الحكومات الآن وخاصة في مصر طواغيت؟
فكلمة الطاغوت ذكرت ثماني مرات في كتاب الله منها قوله تعالى “فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (البقرة: 256)، ومنها قوله تعالى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ” (البقرة: 258)، ومنها قوله تعالى “وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ” (المائدة: 60)، وغيرها من الآيات، وبتتبع تفسير هذه الآيات من مصادرها سنجد أن غالب المفسرين فسروا الطاغوت بأنه الشيطان أو الساحر أو الكاهن أو أنه كل مايعبد من دون الله، قال الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: الطاغوت عبارة عن كل متعدٍ وكل معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع… ولما تقدم سمي الساحر، والكاهن، والمارد، والجن، والصارف عن طريق الخير طاغوتًا.([1]) ويظهر معنى الطاغوت إذن فيما يُعبد من دون الله من أصنام ومخلوقات أخرى، وهو يطلق على الباطل مطلقًا ممن يعقل ومالا يعقل فإذا عبد من دون الله أو مع الله فذلك كفر وشرك وإذا فتن به دون عبادة له كان عصيانًا وفسوقًا كالذي يفتنه الشيطان أو السلطان أو المال. والسؤال الآن هل الحكومات والحكام الآن في مصر طواغيت أي أنهم يُعبدون من دون الله أو يرضون بعبادة غير الله أو يعطلون حكم الله؟؟ والجواب بالطبع لا فمصر ليست دولة كافرة كيف ذلك ودستورها ينص على أنها دولة مسلمة والمصدر الرئيسي للتشريع فيها هو الشريعة الإسلامية ومبادئها التي فسرتها الدساتير السابقة، كذلك النص على مرجعية الأزهر في تفسير القضايا التي تحتاج إلى تفسير. وعليه فكل مواده الواردة فيه محكومة بهاتين المادتين، وما يُذكر فيه من السيادة للشعب وأنه مصدر السلطات فهذا فيما يملكه الشعب ويقدر عليه بما لا يخالف المادة الثانية للدستور، وإذا نظرنا إلى حال الشريعة في مصر نجد أنها مطبقة بنسبة كبيرة جدًا في العبادات والمعاملات والعقائد والأخلاق وتبقى قضية الحدود والتي لاتمثل سوى جزءا ضئيلا جدا في الشريعة الإسلامية هي محل الجدل، ولكن حتى وإن كانت معطلة فلإقامة الحدود شروط وضوابط لابد من تحققها قبل إقامتها، هذا والناظر للواقع يجد أن الجمع والجماعات مقامة وكثير من القوانين، والأعمال تُردُّ ولا تقبل لا لشيء إلا لأنها مخالفة للشريعة الإسلامية، ولايخفى على أحد موقف الأزهر من مؤتمر السكان قديمًا والذي رفضه لمخالفته الشريعة، وكذلك فقوانين الذبح عن الطريق الصعق الكهربائي، وقضية تمثيل الأنبياء والصحابة أو الإستهزاء بهم أو الإنتقاص من الرموز الإسلامية كلها تدل على حرص المصريين على عدم مخالفة الشريعة، وما وجد من مخالفات فليس المقصود بها مخالفة الشريعة، وعليه فلا يتحقق هنا معنى الطاغوت وعلى هذا أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم حيث قالوا: أن الكفر عند عدم الحكم بما أنزل الله يكون للجاحد المنكر له، أو المستهزئ به أما غيره فلا يكون كافرًا، حتى لو وصف بالكفر فهو من باب التنفير والزجر فإن عمله كعمل الكافرين، ولا ينكر أحد أنه لايدعي شخص الآن –إلا من شذَّ- أنه يتعمد مخالفة حكم الله، أو ينكره، ويجحده، أو يدعي أن حكم الله غير صالح، أو أن حكمه أفضل من حكم الله تعالى. وحتى وإن وقع الظلم أو الفسق من الحكام فإن ذلك لا يخرجهم عن ملة الإسلام ولا يحل قتالهم مالم يغيروا قواعد الإسلام؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة» (رواه مسلم).
قال النووي شارحًا هذا الحديث: “وأما قوله أفلا نقاتلهم قال لا ماصلوا ففيه معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئا من قواعد الإسلام([2])”.
& الرد على زعمه أن هناك ذنوبًا يكفر بها الإنسان بدون استحلال
قال مؤلف الكتاب: وجعلوا الذنب المكفر كالذنب غير المكفر، فاشترطوا في الذنب المكفر شرط الاستحلال الذي هو شرط في الذنوب غير المكفرة والمعاصي.
ونحن نقول وهل يوجد ذنب مكفر؟!! إن تكفير المسلمين بالذنوب عقيدة الخوارج الذين خالفوا أهل السنة في ذلك فعقيدة أهل السنة أنهم يفرقون بين استحلال الذنب والإصرار عليه فالذي ارتكب معصية ولو كانت كبيرة مرة أو داوم عليها وهو يعلم حرمتها ويعتقد ذلك فلا يخرجه هذا عن الملة إلا إذا أنكر حرمتها، واعتقد حلها وقال إنها حلال كالذي يشرب الخمر مثلا وإذا سئل قال أشربها لأنها حلال وليست محرمة، وقد ورد أن صحابيا كان يشرب الخمر وتكرر ذلك منه، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامله معاملة المسلمين.
قال صاحب العقيدة الطحاوية: قوله: “ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين”.
قال الشارح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا“. ويشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله([3]).
وكذلك قال صاحب العقيدة الطحاوية في موضع آخر إن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله.
& الرد على احتجاجه بقول ابن تيمية: ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعا للكتاب. فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما
إنه بهذا النص يريد أن يخلص إلى نتيجة ألا وهي أنه لابد من إعمال السيف في الكافرين، والمرتدين، والطواغيت؛ فإنه لن يقوم الإسلام ولن ينهض إلا إذا أشهرنا سيوفنا وقاتلنا هؤلاء الكفرة. وهذا النص بالفعل هو من كلام ابن تيمية، لكن من القواعد المعروفة لفهم أي نص أن الكلام لا يجتزئ من سياقه الذي قيل فيه وإلا كان المعنى المراد ناقصًا؛ وبالنظر في سياق ما قاله ابن تيمية وجدنا أنه ساق هذا الكلام في سياق كلامه على أهل المدينة ومذهبهم وكيف أنهم يختلفون عن باقي الأمصار في أحكامهم، وأنهم يطبقون العدل الذي قصر فيه غيرهم ممن فشت عندهم المحاباة والرشوة، والحكم بالهوى، وأن الأمصار التي اننتشر مذهب أهل المدينة فيها لا يوجد فيها فصل بين أهل السياسة وبين أهل الدين فصاحب الحرب متبعًا لصاحب الكتاب، بخلاف الأمصار الأخرى التي لم ينتشر فيها مذهب أهل المدينة فكانوا يفصلون، فأهل الحرب شيء وأهل الدين شيء آخر. فنلاحظ إذن أن ابن تيمية يؤصل لفكرة أن الشريعة الإسلامية متكاملة في كل جوانبها فتشمل السلم، والحرب، والشريعة، والعبادة، والمعاملة، ولاينفك هذا عن ذاك. ولا بد من وجود القوة المتمثلة في السيف لحماية الدولة والدين فمهمة السيف إذن الحماية، ورد العدوان؛ فلا تتصور دولة بدون هذه القوة، وليس مهمته سفك الدماء المعصومة البريئة بحجة أنه لابد من إعمال السيف.
& الرد على زعمه أن الأصل في معاملة غير المسلمين القتال وهو أمر حتمي واجب لإظهار الدين
إن هذا الزعم مخالف لما ما هو مقرر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإن الأصل في الإسلام هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة حيث قال تعالى: ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”(النحل: 125) فلمن تكون الدعوة، والجدال بالتي هي أحسن هنا؟!! وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمجادلة أهل الكتاب إن احتاجوا لذلك بالتي هي أحسن قال تعالى: “وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ”(العنكبوت:46)، وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الرسل بكتبه إلى الملوك فكانت كلمته لهم “أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن أبيت فإنما عليك إثم….” فبدأ معهم بالدعوة ولم يذكر ولا في كتاب واحد شيئا عن حتمية قتالهم ليستمر الدين، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم عاهد اليهود في المدينة وكتب معهم وثيقة المدينة التي كانت أصلا للتعايش السلمي بين أهل الديانات، وكذلك عاهد نصارى نجران، وعقد صلحًا مع كفار قريش في الحديبية، وإذا سلمنا جدلًا بأن الأصل قتال غير المسلمين وأنه أمر حتميّ فماذا نصنع بقول الله تعالى: “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”(الأنفال:61)؟!! وكذلك قوله تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “(الممتحنة:8)؟!! إن الأصل في تعامل الإسلام مع غير المسلمين هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأمرنا ألا نقاتل إلا من اعتدى علينا أو صرح بعدائنا أو خان عهدنا، كما في قوله تعالى: ” إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”(الممتحنة:9).
& الرد على قولهم أن الجهاد هو الركن السادس من أركان الإسلام
زعم المؤلف أن الجهاد ركن من أركان الإسلام مثله مثل الشهادتين وبقية الأركان الخمسة. وإني في ردِّ هذا الزعم اكتفي بنقل كلام سادتنا F
قال النوويe في شرحه لحديث ” أن رجلا قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ألا تغزو فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الاسلام بنى على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت) (أخرجه مسلم). “: وأما جواب ابن عمر له بحديث بني الإسلام على خمس فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان فإن الإسلام بني على خمس ليس الغزو منها والله أعلم([4])، وقال ابن حجرe أثناء شرحه لحديث “بني الإسلام على خمس”: لم يُذكر الجهاد لأنه فرض كفاية ولا يتعين إلا في بعض الأحوال ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل وزاد في رواية عبد الرزاق في آخره وإن الجهاد من العمل الحسن وأغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كان أول الإسلام قبل فرض الجهاد وفيه نظر بل هو خطأ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلك والحج بعد ذلك على الصحيح([5]) أ.هـ. وقال ابن رجب الحنبليe : ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهاد أفضل الأعمال، وفي رواية «أن ابن عمر قيل له: فالجهاد؟ قال الجهاد حسن، ولكن هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» . خرجه الإمام أحمد. وفي حديث معاذ بن جبل «إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» ، وذروة سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها، وذلك لوجهين: أحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان. والثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى عليه السلام، ولم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام، فحينئذ تضع الحرب أوزارها، ويستغني عن الجهاد بخلاف هذه الأركان، فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك، والله أعلم([6]). وكلامهم F ظاهر جدًا في عدم جعل الجهاد من أركان الإسلام ذلك لأنه واجب على الكفاية غالبا فلا يتعين إلا في بعض الأحيان وأيضًا لعدم استمراره ليوم القيامة إذ كيف يكون ركنًا ويعطل في بعض الأوقات؟!!.
& الرد على دعوى المؤلف أنه لا يُؤبه بقوة العدو، ومن ينظر إلى قوتهم وتسليحهم وما يملكون من معدات وأدوات في مقابل ضعف المسلمين وهوانهم فهو مخذِّل, ومرجف, ومثبط.
إن تكافؤ طرفي القتال ولو بالقليل أمر ضروري لإقامة الحرب، ولابد من النظر إلى النتائج قبل البدئ في القتال والهجوم فأنَّى لي بحرب لا أقدر على تحمل تبعاتها، أنَّى لي بجنود سيقتلون، وأعراض ستنتهك، وحصار اقتصاديٍّ، وعسكريٍّ سينفذ، وإرهاب لشعبي وتشريد، وتجويع سيتحقق!! إن هناك فرقًا بين الشجاعة والتهور وشتان بين هذا وذاك؛ لذلك أمر الله المؤمنين بإعداد القوة قبل أن يقاتلوا فقال تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ “(الأنفال:60)، وقد دلت آيات القرآن على جواز ترك القتال إذا كان العدو يزيد على ضعف المسلمين. قال تعالى: “الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ“(الأنفال:66). وقال النبي صلي الله عليه وسلم في حديث نزول عيسى بن مريم عن يأجوج ومأجوج ” فأوحى الله إلى نبي الله عيسى إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور“(رواه مسلم). فالواجب عند العجز عن القتال تحريز عباد الله المؤمنين وحفظهم لا مصادمتهم لعدو يهلكهم بغير مصلحة فالجهاد لا يعود على مقصوده وهو إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأهله بالنقض بقتل المسلمين وسبى نسائهم من غير مصلحة للمسلمين، وقد انسحب خالد بن الوليد من مؤتة حفاظًا على جيش المسلمين وسمي ذلك نصرًا مبينا، وإذا كان مراعاة تكافؤ القوى تثبيطا وإرجافا فلماذا إذن تأخر فرض القتال على المسلمين وأمروا في البداية بالصبر على الإيذاء، وعدم الدفع حتى عن أنفسهم؟؟ إن الواقع خير شاهد على أنه لابد من النظر إلى تبعات ماسنقوم به ولاتأخذنا الحماسة لفعل شيء فيه تهور وبعدها نُذبح كالخراف ونختبئ كالفئران، ماذا جنى من يسمون أنفسهم بالمجاهدين من تفجيرات (11 سبتمبر) وغيرها من العمليات التي تمت تحت مسمى الجهاد هل أقاموا شرع الله؟ أم مكنوا لدين الله؟ أم حرروا مقدسات المسلمين؟ كلا والله ما جنينا إلا الخراب فالتصقت بالإسلام تهمة الإرهاب، وضُيِّقَ على الأقليات المسلمة وتم اضطهادهم، واحتُلَّت افغانستان وخُرِّبت، وصارت العراق رمادًا تذروه الرياح بعد أن كانت قوة لا يستهان بها, ويُتِّمت أطفال، ورُمِّلت نساء، وتشرَّدت شعوب، وانتُهِبَت ثروات البلاد، وانتُهِكَت حرمات الله ولا حول ول قوة إلا بالله. إن الجهاد كما أنه يقسقط بالعجز الحسي كما في قوله تعالى: ” لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا“(الفتح:17)، فإنه يسقط أيضًا بالعجز المعنوي كما دلت عليه الأدلة السابقة وكما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم منهم النووي الشافعي في روضة الطالبين، والكاساني الحنفي في بدائع الصنائع،I.
& الرد على انكاره على السادة الصوفية قولهم بجهاد النفس والهوى, وزعمه أن الجهاد إذا اطلق فإنما يراد به القتال
وفي رد هذا الزعم سيكون النقل من كلام السادة الأئمة الذين نقل هو عنهم ونسب إليهم زعمه ومنهم ابن حجر وابن القيمI
قال ابن حجرe : الجهاد شرعاً بذل الجهد في قتال الكفار ، ويطلق أيضاً على مجاهدة النفس والشيطان والفساق([7]).
وقال الكاسانيe : الجهاد في سبيل الله فعبارة عن بذل الجهد وهو الوسع والطاقة ، أو عن المبالغة في العمل من الجهد وفي عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله تعالي بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك([8]).
وقال تعالى: “فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) “الفرقان:52(، أي بالقرآن. وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم قال: ” جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم ألسنتكم”(رواه أبو داود)، وقد قال أيضًا صلى الله عليه وسلم: ” المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”(رواه أحمد وابن حبان) . ومن هنا يتضح أن الجهاد عند إطلاقه يراد به قتال الكفار وقد يراد به مقاومة الشر والسعي في إبطاله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بصوره المختلفة ، فليس محصورًا في القتال.
قال ابن القيمe : إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين([9]).أ.هـ وقال الشيخ جاد الحقe : وهو –أي الجهاد- يكون بأية وسيلة من من الوسائل، وفي أي ميدان من الميادين، وفي السلم والحرب على السواء ولا يتحتم أن يكون بالقتال وحمل السلاح ومنه جهاد النفس، والشيطان، وجهاد الفقر، والجهل والمرض، وجهاد البشر ([10]).أ.هـ ومن هنا نعرف أن مجال الجهاد مفتوح الآن على مصرعيه لمن أراد الجهاد حقًا بنشر الدعوة وتعليم الناس الإسلام وهو نوع من الجهاد خاصة في ظل قنوات فضائية، وأقمار صناعية، وشبكة عنكبوتية، وأدوات أخرى نستطيع من خلالها كمسلمين أن يصل صوتنا للكل العالم، خاصة في ظل النشاط الرهيب للمبشرين بالنصرانية في ربوع العالم، وما يضاهيه من نشاط للشيعة الذين توغلوا في كثير من البلدان خاصة في إفريقيا، وجنوب شرق آسيا. أم أنكم أدمنتم تشويه الإسلام والتنفير منه كما لو أنكم مستأجرين لذلك؛ فقتل, وسفك لدماء محرمة, وتفجيرات, وترويع للآمنين ظنًا منكم أنكم على صواب وما مثلكم إلا كما قال الله تعالى: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” (الكهف:103،104)
& يقول: إذا صال واحتل أهل الكفر أحد ديار الإسلام، فإنه يتعين فرضًا عينيًا على كل مسلم مكلف، ذكر أو أنثى، حرًّا كان أو عبدًا، أ, مدينًا.. بأن يجاهد ويقاتل أهل الكفر…. إلى آخر ما قال
ونقول: أصبتم الرأي وأحسنتم فهذا هو جهاد الدفع الذي هو فرض عين على المسلمين، ولكن ألم يعلمكم أحد أن إسرائيل اليهودية قد اغتصبت الأرض، وهتكت العرض، ودنست المقدسات، فلماذا يادعاة الجهاد لم تطلقوا نحوها ولو صاروخًا واحدًا ولو عن طريق الخطأ. إنكم تخرجون من صحراء النقب الملاصقة لإسرائيل لتقتلوا الجنود المصريين على الحدود بدون شفقة ولا رحمة!! فأيّ جهاد هذا الذي به يقتل المسلم أخاه المسلم لهوىً في نفسه أو لشبهة طرأت عليه ولم يسعه الفكاك منها؟!!. أيُّ جهاد هذا الذي به يُقتل المسلم وهو صائم وقد جلس ليتناول طعام الإفطار، ويُترك العدو الذي اغتصب ودمَّر ورمَّل ويتَّم؟!! حقًا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان”.
خلاصة القول
أن الجهاد من أفضل الأعمال في الدين الإسلامي، ولكن ليس ركنا من أركان الإسلام. وللأسف الشديد ضلَّ أناس كثيرون في فهمه وفي تطبيقه، فالجهاد ليس محصورًا في القتال وفقط بل إنه إذا أطلق فإنه يطلق على القتال وعلى الجهاد باللسان أو بالمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “جاهدوا المشركين بألسنتكم وأنفسكم وأموالكم” وكما قال الله تعالى: “فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا“(الفرقان:52) أي بالقرآن. وإذا كانت الغاية من الجهاد وخاصة جهاد الطلب هو تمكين أهل الدعوة من تبليغ دعوتهم وإيصال الإسلام لكل الناس خاصة وأن رسالة الإسلام للناس كافة؛ فإن هذا الغرض الآن يتحقق بصور كثيرة جداً خاصة بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة ويستطيع المسلم أن يصل صوته لكل الأماكن والأقطار في ربوع الكرة الأرضية؛ ليبلغ صحيح الإسلام ويدعوا إليه. ومن المعروف أن الجهاد شرع على مراحل متعددة، أولها: مرحلة الكف والإعراض والصفح حيث كان القتال محرماً قال تعالى :) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً( (النساء:77|)، والثانية: هي مرحلة الإذن بالقتال بدون فرضٍ عليهم فقال تعالى:“أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ“(الحج:39)، والثالثة: وهى الأمر بالقتال لمن قاتلهم دون من يقاتل: وذلك بقوله تعالى: “وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ”(البقرة: 190)، والرابعة: فرض عليهم قتال المشركين كافة ، بقوله تعالى: “وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً”(التوبة:36). ويستفاد من هذا أن لكل مرحلة خصائص تميزها فمراحل الضعف لها ما يناسبها ومراحل القوة لها مايناسبها، وهذا ما ينبغي أن نطبقه الآن. وإذا كان الجهاد شرع على مراحل فإنه أيضًا له مراتب فهناك جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، والكل يطلق عليه جهاد. ثم إنه لابد من مراعاة الأولويات وموازين القوى فلا تصلح العنترية ولا الحماسة في غير موضعها وبعدها تحدث الإنتكاسة ويعود الضرر على الإسلام والمسلمين. وينبغي دراسة مسألة الإيمان والكفر، وما الذي يصير به الإنسان مسلمًا؟ وما الذي يصير به كافرًا؟، فلها صلة وثيقة بالجهاد حتى نقضي على مشكلة المغالاة في التكفير والتي بعدها يبدأ التفجير تباعًا تحت مزاعم الجهاد. والجهاد لايعلنه أفراد ولا جماعات منفصلة عن الدولة بل إن إعلان الجهاد راجع إلى وليِّ الأمر بمشاورة أهل الخبرة والتخصص.
([1]) – المفردات في غريب القرآن، 2/28، ط: دار القلم
([2]) – شرح مسلم للنووي، 12/244، ط: دار إحياء التراث العربي
([3]) – شرح العقيدة الطحاوية 2/426، ط: مؤسسة الرسالة – بيروت
([4]) – شرح صحيح مسلم لنووي، 1/179، ط: دار إحياء التراث العربي
([5]) – فتح الباري، 1/49، ط: دار المعرفة بيروت
([6]) – جامع العوم والحكم، 1/152، ط: مؤسسة الرسالة
([7])– فتح الباري، 6/3، ط: دار المعرفة – بيروت.
([8])- بدائع الصنائع، 7/97، ط: دار الكتب العلمية.
([9])– زاد المعاد، 3/9، ط: مؤسسة الرسالة بيروت.
([10])- بيان للناس، 1/276، ط: مطبعة جامعة الأزهر
زر الذهاب إلى الأعلى